طريق هذه الجماهير العاجزة. كل ذلك يشكل عقبة فعلية إزاء تحريك هذه الجماهير وتعبئتها الأغراض النضال والتغيير الاجتماعي. محاولات التحريك ستجابه بنوع من المقاومة النابعة من الإحساس بالعجز عن تحمل المسؤولية الذاتية ومسؤولية المصير. عقدة النقص التي تتحكم بإنسان العالم المتخلف، تجعله عدوة للديمقراطية التي تنبع في الأساس من الإيمان بالجماهير وطاقاتها الخلاقة.
عقدة النقص تجعل الخوف يتحكم بالإنسان المقهور: الخوف من السلطة، الخوف من قوى الطبيعة، الخوف من فقدان القدرة على المجابهة، الخوف من شرور الآخرين. مما يلقي به في ما يمكن تسميته بانعدام الكفاءة الاجتماعية 1 والمعرفية. فهو يتجنب كل جديد، ويتجنب الوضعيات غير المألوفة. إذا خرج من دائرة حياته الفيفة بجس بالغربة الشديدة وبانحسار الذات، يجمد في الزاوية التي هو فيها في نوع من الشلل الوجودي. كل جديد يثير فيه القلق، وإحساسه الجذري بانعدام الأمن، ولذلك فهو يخشى التجريب، ويتشبث بالقديم والتقليدي والمألوف. مما يجعل عملية التحديث تجابه في معظم الأحيان بمقاومة شديدة تحيط البرنامج التنموي.
وتتجلى عقدة النقص بوضوح ظاهر في موقف الإنسان المقهور من العلم والتكنولوجيا. فهو يضع نفسه مسبقة في وضعية العاجز عن استيعاب التكنولوجيا الحديثة. يظل أمامها مبهورة لأن الآلة بالنسبة له ليست عبارة عن أواليات تحكم حرکتها وبنينها مجموعة من القوانين الفيزيقية والرياضية، بل هي كيان سحري يمت إلى عالم يتجاوز عالمه. ولهذا فهو يقبل عليها بحذر وتردد، بصاب أمام معرفتها والسيطرة عليها بنوع من المدة المعرفي 2. ذلك أيضا بشكل عقبة أمام التغيير والتطوير، لأنه يدفع بالإنسان المقهور نحو التقليدي والمألوف سواء في الوسائل والطرق الإنتاجية أو في الأدوات.
لا شك في أن الفئة المتسلطة، بغية استمرار تسلطها، تعمل على تغذية عقدة النقص والعجز هذه لدى الجماهير، حتى تظل على استكانتها وتبعينها، وحتى لا تحاول اتخاذ زمام المبادرة في تقرير مصيرها بنفسها. الأمثلة على ذلك لا تحصى، ويكفي أن نرى ما يحاوله المستعمر عادة من غرس مشاعر النقص في الشعوب التي يستغلها، من ناحية، وغرس وهم تفوقه عليها علما وفنة وتقنية وحياة، لدرجة التضليل، والزعم أنه أتي لتعليمها والارتقاء بها من خلال احتذاء مثاله، ويقوم عادة كي يصل إلى هذه النتيجة، باستعراض قوته وأدواته التي يحيطها بنوع من الجبروت السحري، جاعلا منها وسائل لا تقهر، وبالتالي فهو نفسه لا يمكن
(1) انعدام الكفاءة الاجتماعية Incapacite sociale
(2) . الصد Inhibition