على أن العلاقة ليست جامدة بهذا الشكل وبصفة مستديمة، يغلب عليها واقعية التجاذب الوجدانية،1 التذبذب بين التبعية والرضوخ وبين الرفض والعدوانية الفاترة 2. يحاول الإنسان المقهور، كما سنرى جلية في بحثنا للمرحلة الاضطهادية، الانتقام باساليب خفية (الكسل، التخريب) أو رمزية (النكات والتشنيعات) . وهذا بخلق ازدواجية في العلاقة: رضوخ ظاهري، وعدوانية خفية. أبرز مثل على هذه الازدواجية هو موقف الرياء والخداع والمراوغة والكذب والتضليل. محاولة النيل من المتسلط تصبح قيمة بحد ذاتها باعتبارها نوعا من البراعة والحذق (كما يشيع جماهير المصريين) . الإنسان المقهور متربص دوما للمتسلط کي بنال منه كلما استطاع، وبالأسلوب الذي تسمح به الظروف. هذه الازدواجية تشکل مرحلة وسطة بين الرضوخ والتمرد. ولكن، هنا أيضا، نجد الإنسان المقهور يستخدم أسلوب السيد المتسلط نفسه ويخاطبه بلغته نفسها. الكذب والخداع والتضليل هي قوام اللغة التي يخاطب بها المتسلط الجماهير المقهورة، إن خطابه هو أبدأ كذب ونفاق عندما لا يكون تهديدا صريحة.
خطابه وعود معسولة وتضليل تحت شعار الغابات النبيلة: الوعود الإصلاحية، الخطط الإنمائية، الأخلاق، الرقي والتقدم، المستقبل الأفضل .. كلها هراء اعتادت عليها الجماهير. وهي بدورها تخادع وتضلل حين تدعي الولاء وتتظاهر بالتبعية.
وهكذا يصبح الكذب جزءا أساسية من نسيج الوجود المتخلف، على مختلف الصعد وفي كل الظروف. الكذب بين المتسلط والإنسان المقهور يعمم على كل العلاقات: كذب في الحب والزواج، كذب في الصداقة، كذب في ادعاء القيم السامية، كذب في ادعاء الرجولة، كذب في المعرفة، كذب في الإيمان. كما يكذب المسؤول على المواطن، وكما يكذب رجل الشرطة حين يدعي الحفاظ على القيم والأخلاق والنظام، وكما يكذب الموظف على صاحب الحاجة، وكما يكذب التاجر على المشتري، كذلك يكذب الحرفي على الزبون. معظم العلاقات زائفة، معظم الحوار تضليل وخداع. يكفي أن نرى كيف يزين الناس في العالم الثالث الأمور بعضهم لبعض، حتى يتم استدراج الآخر واستغلاله. ذلك الاستدراج عندما ينجح يعتبر نوعا من البراعة في التجارة والعمل والوظيفة وممارسة المسؤولية. وعندما يتحول العالم إلى زيف وتضليل يصبح لزاما على كل واحد أن يلعب اللعبة كما تسمح له إمكانياته، وويل لذي النية الطيبة، إنه لا يغزم فقط من خلال استغلاله، بل يزدري باعتباره ساذجة وغبية. تدلنا علاقات التكاذب والتضليل على مدى الانهيار الذي ألم بقيمة الإنسان في العالم المتخلف، حين يتحول إلى مضلل أو ضحية تضليل. فالآخر ليس مكافئة لنا، بل أداة نستغلها
(1) تجاذب وجداني Ambivalence
(2) فاتر Passif .