من خارج الحدود. إذ إن علاقة التحالف بين القلة ذات الامتياز والقوى الخارجية المالية والسياسية والعسكرية التي تدعمها، ليست علاقة تكافؤ ومساواة، بل علاقة سيادة وتبعية. هناك استلاب لقيمة الإنسان يفرض بالتسلط والعنف أبدع «فرانز فانون» في عرضه وتحليله في كتاباته المتعددة حول ظاهرة الاستعمار.
فالسيد المستعمر يقوم يوميا بإدخال العنف إلى عقول وبيوت المستعمرين وهو يدخل في وعيهم أنهم ليسوا بشرة وإنما أشياء).1
في رسالة استقالته الشهيرة التي وجهها إلى الحاكم الفرنسي في الجزائر من منصبه كطبيب في مستشفى الأمراض العقلية، إبان حرب التحرير يقول: 1. إن الإنسان العربي في الجزائر، يحس بالغربة والوحشة في بلده .. إنه يعيش في حالة تجريد من آدميته .. إن البناء الاجتماعي الذي فرضته فرنسا على الجزائر يعادي كل محاولة لانتشال الفرد الجزائري من حالة عدم الآدمية، وإعادته إلى حالة الآدمية التي هو بها جدير ... 2
الاستعمار تهديم مستمر ويومي لشخصية الفرد الجزائري .. لقد تكشفت الفائون» من خلال عمله العلاجي، عقد النقص التي غرسها وعنقها الرجل الأبيض في الفرد الجزائري .. تكشفت له الأساليب الأوروبية في امتصاص دماء الكرامة من شرايين الفرد الجزائري، وإحلال الخوف والمذلة والمهانة مكانها.3
بدل الفهم والحوار الذي لا يقوم إلا في حالة التكافة الإنساني، هناك لغة السوط القمعي، بدل الإقناع هناك الإخضاع. وليس المستعمر الصريح فقط هو من يفرض هذا الاستلاب الذي يستغل الإنسان، بل قوى التسلط الداخلي على مختلف مراتبها. وليس العنف الصريح أو القمع الظاهر فقط هو الذي يمارس، بل هناك العديد من أشكال العنف المبطن والقمع المستتر تمارس على نطاق أوسع انتشارا وأكثر تغلغة، وتحت أكثر الشعارات بريقة ونبلا.
والأمر ليس وقفة على البلدان النامية تقنية وصناعية، بل يطال العديد من المجتمعات التي وصلت قمة التقدم التقني، ويضم كل المجتمعات التي تصدر العنف إلى خارج حدودها. التقدم الصناعي إذا كان يخلص الإنسان من قهر عالم الضرورة، ما زال في الكثير
(1) بسام الطيبي، نظرية قانون عن العنف وتأثيرها بالفلسفة الهيجلية، مجلة ادراست عربية السنة السادسة، العدد 7، بيروت 1970.
(2) د. إبراهيم سعد الدين، فرانز فانون وفلسفة العنف الثوري، مجلة دراسات عربية، السنة السادسة، العدد 5، بيروت 1970.
(3) المرجع نفسه