فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 248

أمام التنمية الأسرة الكبيرة تقود رأسة إلى بروز الإقطاعية في المجتمع الزراعي والقبلي، والرأسمالية البورجوازية في المجتمع الحضري، والطائفية في الحالتين، نظرا لحاجتها إلى العصبية الدينية، إذا استحالت العصبية القبلية، كوسيلة لتماسكها من خلال مناصبة الخارج العداء والحذر، وهي لذلك عقبة أمام التغيير في اتجاه تحرير الإنسان.

ولا تقاوم الأسرة الكبيرة الميول الاستقلالية فقط، بل هي تقاوم الفردية ضمنها. ليس هناك قطاع خاص في الأسرة - العشيرة. كل شيء عام ومشاع الإنسان نفسه ملكية عامة ضمن هذه المؤسسة، كل ميل إلى الفردية، إلى الذاتية، والعالم الحميم، يفسر كتهديد لتماسك الأسرة و كخروج عن سطوتها. فهي تبسط نفوذها على الأجساد والعقول والعواطف، وهي تتحكم بالعلاقات، وفي ذلك كله استلاب للشخصية، وصد لأصالتها. وتشتط الأسرة - العشيرة في فرض العمومية والمشاع في كل كبيرة وصغيرة، لا شيء يجب أن يفلت منها، أو يمارس بمعزل عنها. تلك هي مأساة العلاقة التملكية كعلاقة استلابية. وهي تضم في أحشائها نواة نقيضها الذي لا بد أن يبرز يوما، من خلال تفجر ما تتضمنه من إحباطات التوكيد الذات، وتراكم للعدوانية المقموعة، وتوق إلى الحرية المستلبة.

هذه الأسرة رغم ما تشكله من عقبات أمام التغيير، ورغم ما تضمه أحشاؤها من تناقضات قابلة للانفجار، تلعب على المستوى الفردي وظائف نفسية هامة. فهي تساعد العناصر الضعيفة، والأكثر عجزة عن التصدي للأخطار الخارجية (الطبيعية والإنسانية) ، والأكثر فشلا في تحقيق أصالة ذاتية من خلال الإنجازات، على مجابهة واقعها، والتعويض عن مشاعر انعدام الأمن من ناحية، والهوان الذاتي من ناحية ثانية

نهي أولا تقدم هوية أسرية لمن لا هوية مهنية أو علمية أو فردية له. من ليس لديه سبب ومصدر للاعتزاز الذاتي، يعتز باسم أسرته. ومن عجز عن الحصول على مكانة مرموقة من خلال الانتماء إلى المؤسسات الاجتماعية يفخر بمكانة ما في أسرته وضمن عشيرته، من لم يتمكن من النجاح الحياتي كمصدر اعتزاز شخصي، يعتز بحسبه ونسبه، ولو كانت الأسباب الواقعية لهذا الاعتزاز وهمية. فعالية ما يحدث نوع من التباهي بأمجاد الحسب والنسب عند المغبونين من خلال التماهي بالمتسلطين واعتزازهم بانتماءاتهم. أكثر الناس تعلقة باسم الأسرة هو إما فرد متسلط يحظى بأكبر الامتيازات من خلالها، أو فرد مغبون مقهور ليس لديه سوي وهم الاسم.

والأسرة ثانية هي الملجا والملاذ، وهي الضمانة ضد الأخطار الخارجية. إنها تأمين للإنسان المهدد في صحته وسمعته ورزقه وغده، من خلال نظام التعاضد والتعاون الداخلي الذي يشيع فيها. فالإنسان المعدم يمكنه إذا حلت به طارئة ما، أن يلجا إلى أسرته ويحصل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت