على المساعدات ممن يملكون تقديمها، بدل أن يحظى بالتأمينات والضمانات الاجتماعية التي يستحقها كل مواطن في المجتمعات المتقدمة. كل فرد من أفراد الأسرة - العشيرة يستطيع أن يستعين بقوتها عندما يتهدده خطر خارجي. فالأسرة - العشيرة لا بد أن تهب لنجدته وتنتصر له إذا أرادت أن تحتفظ بسيطرتها عليه، وهو لا يستطيع في غياب الحماية الاجتماعية، الاستغناء عن أسرته وإلا تعرض للهلاك.
والأسرة ضمانة من كوارث الطبيعة وحماية من أخطار العدوان الخارجي من خلال كثرة العدد. ولذلك يحتل التكاثر والتناسل أهمية مفرطة في العالم المتخلف. إنه نوع من الدفاع البيولوجي (كثرة الأولاد ضد غوائل الطبيعة، وما قد يخبئه المستقبل. الأولاد حماية من الأعداء(سياج الأسرة في كثرة عدد شبابها) والأولاد ضمانة ضد الشيخوخة والعوز. والأولاد عزة ومنعة من خلال تعزيز مشاعر الخلود النفسي من خلال الذرية. وفي ذلك کله تعويض عن مشاعر الضعف، وعن عقدة الخصاء التي تستحکم بلاوعي الإنسان المقهور. كثرة الأولاد، خصوصا الذكور، تلعب وظائف نفسية تعويضية في العالم المتخلف، يصعب الاستغناء عنها، إذا لم يؤمن إنسان ذلك العالم على مصيره وكرامته، على صحته ورزقه، ولذلك فإن خطط تحديد النسل تجابه بمقاومة صريحة وضمنية شديدة تبطل مفعولها إلى حد كبير، فهذه الوظائف النفس اجتماعية لكثرة الصبيان، تتحول إلى قيمة وجودية فاعلة بحد ذاتها، وتصبح غاية حياتيه ومظهرا من مظاهر الشعور بالاعتزاز، ثم أن كثرة الولد تحتل على المستوى اللاواعي دلالة القوة القضيبية (قوة الذكورة) عند الرجال، وقوة الخلق والامتلاء الداخلي عند النساء. وهذه الدلالات من أكبر عوامل التعويض عن المهانة الوجودية، التي يرزح تحتها الإنسان المقهور: الاعتزاز بالقدرة على الإنجاب عوضا عن القدرة على الإنجاز.
والانتماء الأسري الذوباني وسيلة فعالة من وسائل تصريف العدوانية المتراكمة والنابعة من الإحباطات الوجودية، من خلال ذلك المدد العاطفي الدافق الذي يوازن العدوانية التي تهدد بالارتداد إلى الذات وتدميرها، كما تهدد بتفجير مشاعر الذنب المرتبطة بالعجز عن تحقيق الذات من ناحية، ومن خلال تحويل هذه العدوانية بإسقاطها على الأسر العشائر العدوة، والحرب ضدها من ناحية ثانية.
إن الوظائف النفسية للأسرة - العشيرة، مضافة إلى ضغوطها التملكية على أفرادها، تشكل عقبات جدية في وجه التغيير الاجتماعي. ولا بد من أخذها بعين الاعتبار حين وضع خطط التنمية، وإلا تعرضت هذه الأخيرة لعملية استيعاب من خلال تحويلها إلى أدوات الخدمة مصالح الأسرة النافذة، وما أكثر عمليات الاستيعاب هذه في بلدان العالم الثالث.