فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 248

وإما مواد لا تمت إلى واقع التلميذ بين الفئات الشعبية في المراحل الابتدائية والمتوسطة، معظم المناهج تعالج قضايا تمت إلى حياة الطبقة السيطرة، وتغرس في الطفل المثل العليا السائدة لهذه الطبقة، والتي لا يمكنه عملية وواقعية ممارستها في حياته اليومية. بظل العلم إذا مسألة نظرية، لا يعالج واقع الطالب في العالم المتخلف، لا يتيح له فرصة الإرصان 1) العقلى لهذا الواقع، وانفصام عنه في المدرسة التي تفرض على الطالب حالة من الاغتراب عن قضاياه المعاشة. ولذلك فإنه يلبس ثوب العلم في المدرسة، يتعامل بشكل لفظي محض مع العلم وقوانينه، بينما هو يتعامل مع واقعه بأسلوب انفعالي، خرافي تقليدي.

ومن مشكلات التعليم الشائعة في البلدان النامية، الانفصام بين لغة العلم ولغة الحياة اليومية. ونعني بذلك دراسة العلوم المضبوطة بلغة أجنبية، يظل غالبية الطلاب، ما عدا أبناء القلة ذات الحظوة، عاجزين عن التعامل بها، ولا يمتلكونها إلا بشكل ناقص جدة. العلم كاللغة الأجنبية التي ندرسهم بها، يظل غريبة عن عالمهم وواقعهم، يشكل في أحسن الحالات قشرة خارجية لا تتجاوز السطح. بينما عالمهم المعاش تحكمه اللغة الأم المشحونة بالانفعالات والغيبيات والخرافة، والبعيدة كل البعد عن العلمية.

إن مسألة تعريب العلوم المضبوطة وتدريسها باللغة الأم من مسائل الساعة. وهي تمس قضية ديمقراطية التعليم الصميم. هل تعلم العلوم المضبوطة بلغة الشعب، كي نسهم بذلك في إدخال القوالب العلمية على هذه اللغة، وبالتالي على الذهنية نفسها، باعتبار أن اللغة (كما أصبح معروفة في علم اللسان) تشكل الذهن وتحدد النظرة إلى الوجود، أم نستمر في الحفاظ على الانشطار بين العلم والحياة، وبالتالي ترسخ استمرارية التخلف الذهني عند القطاع الأكبر من المواطنين؟

لقد طرح الدكتور انزار الزين، هذا الموضوع بشكل واضح في بحثه القيم حول تعريب التعليم العالي في لبنان.2 ولوضع المسألة في إطارها الصحيح ينطلق من بحث العلاقة بين اللغة والتكوين العقلي والنظرة إلى الوجود، التي أثبتتها الدراسات الحديثة في علم اللسان فأسلوب الاستجابات والمواقف في مجتمع من المجتمعات يرتبط ارتباطا وثيقة باللغة والفكره

وعلى هذا فإن الصيغ اللغوية تؤثر في الذهن وتنظم التفكير بشكل معين). فالانبناء اللساني الذي يتلقاه الفرد من محيطه، مسؤول أساسا عن الطريقة التي ينظم بها نظرته إلى العالم.

فإذا كانت اللغة الأم متشبعة بالانفعالات والنظرة اللاعلمية إلى الواقع، باعتبارها تعكس الوجود المتخلف، فإنها ستؤدي حتما إلى ترسيخ هذه الانفعالية اللاعلمية وتشجع

(1) إرصان Elaboration

(2) د. نزار الزين، تعريب التعليم العالي في لبنان، بحث منشور في مجلة «المقاصدا، العدد الأول، بيروت 1973

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت