فهرس الكتاب

الصفحة 5282 من 5446

شديدًا، وقلتُ: كُلُّ شيءٍ خَلْقُ اللَّهِ ومِلْكُ يَدِهِ، فلا يُسْأَلُ عمَّا يَفْعَلُ وهم يُسْأَلُون. فقال لي: يَرْحَمُكَ اللَّه! إني لَمْ أُرِدْ بما سَأَلْتُكَ إلا لأَحْزِرَ عَقْلَكَ [1] ، إنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَةَ أَتَيا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالا: يا رسولَ اللَّه! أَرَأَيْتَ ما يَعْمَلُ الناسُ اليومَ، ويَكْدَحُون [2] فيه، أشيءٌ قُضِيَ عليهم وَمَضَى فيهم مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ؟ ، أَوْ فيما يُسْتَقْبَلُونَ به مِمَّا أَتَاهُم به نَبِيُّهمْ، وَثَبَتَتِ الحُجَّةُ عليهم؟ فقال:"لا، بل شيءٌ قُضِيَ عليهم ومضى فيهم، وتصديقُ ذلك في كتاب اللَّه عز وجل: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} ] [3] ."

وقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} . هو جواب القسم. وأصل الزكاة: النموّ والزيادة، ومنه زكا الزرع، إذا كثر ريْعُه، ومنه تزكية القاضي للشاهد، لأنه يرفعه بالتعديل، وذكر الجميل. قال القرطبي: (فمصطنع المعروف والمبادر إلى أعمالِ البر، شَهَرَ نفسه ورفعها. وكانت أجواد العرب تنزل الرُّبا وارتفاعَ الأرض، ليشتهر مكانُها للمُعْتِفِين [4] ، وتوقد النار في الليل للطارقين. وكانت اللئام تنزل الأَوْلاج والأطراف والأهضام [5] ، ليخفى مكانها عن الطالبين. فاولئك عَلَّوا أنفسهم وزَكَّوها، وهؤلاء أخفَوا أنفسهم ودَسُّوها) .

وفي الآية تأويلان متكاملان يقتضيهما الإعجاز البياني للقرآن:

التأويل الأول: قد أفلح من زكى نفسه بطاعة اللَّه، وطهّرها من الأخلاق الدنيئة والرذائل. قال قتادة: (من عمل خيرًا زكّاها بطاعة اللَّه) . وقال أيضًا: (قد أفلح من زكّى نفسه بعمل صالح) . وهذا المعنى كقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 14 - 15] .

التأويل الثاني: قد أفلح من زكّى اللَّه نفسه. وهو قول ابن عباس. وقال ابن جرير: (يقول: قد أفلح من زكى اللَّه نفسه، فكثر تطهيرها من الكفر والمعاصي، وأصلحها بالصالحات من الأعمال) .

وقوله تعالى: ( {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} . قال أهل اللغة: (والأصل: دسَّسَها، من

(1) لأحزِرَ عقلك: أي لأمتحن فهمك ومعرفتك.

(2) الكدح: هو السعي في العمل، سواء أكان للآخرة أم للدنيا.

(3) حديث صحيح. أخرجه مسلم (2650) - كتاب القدر، وأخرجه أحمد (4/ 438) ، والطبري (37382) ، وأخرجه ابن أبي عاصم (174) ، وابن حبان (6182) .

(4) المعتفي: كل طالب فضل أو رزق.

(5) الأولاج: غار أو كهف. والأهضام: أسافل الأودية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت