قُحْمَةٌ [1] شديدة فاقتحموها بطاعة اللَّه تعالى). وقال الحسن: (هي واللَّه عقبة شديدة: مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوّه الشيطان) . وقيل: العقبة خَلاصُه من هول العرض.
وقوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ} . استفهام لزيادة التقرير والاهتمام. قال القاسمي: (أيْ أيّ شيء أعلمك ما اقتحام العقبة؟ وفي الاستفهام زيادة تقريرها وكونها عند اللَّه تعالى بمكانة رفيعة) .
وقوله تعالى: {فَكُّ رَقَبَةٍ} . فكّها خلاصها من الأسر. وقيل: من الرِّق.
قال القرطبي: (والفكّ: هو حل القيد، والرِّق قيد. وسمي المرقوق رقبة، لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته، وسمِّي عتقها فَكًّا كفك الأسير من الأسْر) .
وقد حفلت السنة العطرة بأحاديث كثيرة في فضائل العتق، منها:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: [أَيَّما رَجُلٍ أعتقَ امرأً مسلمًا اسْتَنْقَذَ اللَّه بِكُلِّ عُضْوِ مِنْهُ عُضْوًا من النار] [2] .
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند بإسناد صحيح عن سعيد بن مُرجانَةَ: [أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-:"من أَعْتَقَ رقبةً مؤمنة أعتقَ اللَّه بكل إِرْبٍ منها إرْبًا منه من النار، حتى إنه ليُعْتِقُ باليدِ اليدَ، وبالرجلِ الرجلَ، وبالفرجِ الفرجَ". فقال عليُّ بن الحسين: أنت سمعتَ هذا من أبي هريرة؟ فقال سعيد: نعم. فقال علي بن الحسين لغلام له أفْرَهُ غلمانه: ادعُ مِطْرَفًا. فلما قام بين يديه قال: اذهب فأنت حُرٌّ لوجهِ اللَّه] [3] .
وروى البخاري نحوه وفيه: (فعمد عليّ بن الحسين رضي اللَّه عنهما إلى عَبْدِ له قد أعطاهُ به عبد اللَّه بنُ جَعفر عَشَرَةَ آلافِ درهم، أو ألْفَ دينار فأعتقه) .
الحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: سمعت
(1) القُحْمة: المَهْلَكة، والسنة الشديدة. والقُحَم: صِعاب الطريق. والاقتحام: الرَّميُ بالنفس في شيء من غير رَوية. والمقصود هنا: الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة. والعقبة: الطريق الوعرة في الجبل يصعب سلوكها، استعيرت لتمثيل ما سيأتي مما فيه معاناة ومشقة ومجاهدة للنفس من أجل النَجاة.
(2) حديث صحيح. أخرجه البخاري (2517) كتاب العتق. وكذلك (6715) ، ورواه مسلم (1506) ، والترمذي (1541) ، والنسائي (9/ 505) ، وأحمد (2/ 420) .
(3) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (2/ 420) ، وانظر صحيح البخاري -حديث رقم- (6715) ، كتاب كفارات الإيمان.