وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، ثُمَّ قَالَ:"إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَيْنَ تَبُوكَ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوا بِهَا حَتَّى يَضْحَى النَّهَارُ، فَمَنْ جَاءَ فَلَا يَمَسَّ مِنْ مَائِهَا شَيْئًا حَتَّى آتِيَ"، فَجِئْنَا وَقَدْ سَبَقَنَا إِلَيْهَا رَجُلَانِ، وَالْعَيْنُ مِثْلُ الشِّرَاكِ تَبِضُّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ، فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"هَلْ مَسِسْتُمَا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا؟"، فَقَالَا: نَعَمْ، فَسَبَّهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ لَهُمَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ غَرَفُوا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْعَيْنِ قَلِيلًا قَلِيلًا، حَتَّى اجْتَمَعَ فِي شَيْءٍ، ثُمَّ غَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ وَجْهَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَا، فَجَرَتْ الْعَيْنُ بِمَاءٍ كَثِيرٍ، فَاسْتَقَى النَّاسُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"يُوشِكُ يَا مُعَاذُ إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ أَنْ تَرَى مَاءً هَاهُنَا قَدْ ملئَ جِنَانًا" [1]
قَالَ يَحْيَى بِن شَرَفٍ أَبِي زَكَرِيَّا النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِهِ لِلْحَدِيثِ
"قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ غَزْوَةِ تَبُوكَ: (كَانَ يَجْمَعُ الصَّلَاةَ) إِلَى آخِرِهِ هَذَا الْحَدِيثُ سَبَقَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَفِيهِ هَذِهِ الْمُعْجِزَةُ الظَّاهِرَةُ فِي تَكْثِيرِ الْمَاءِ، وَفِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ."
قَوْلُهُ: (وَالْعَيْنُ مِثْلُ الشِّرَاكِ تَبِضُّ) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ هُنَا (تَبِضُّ) بِفَتْحِ التَّاءِ، وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، وَتَشْدِيدِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ. وَنَقَلَ الْقَاضِي اتِّفَاقَ الرُّوَاةِ هُنَا عَلَى أَنَّهُ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَمَعْنَاهُ تَسِيلُ. وَاخْتَلَفُوا فِي ضَبْطِهِ هُنَاكَ، فَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِالْمُعْجَمَةِ، وَبَعْضُهُمْ بِالْمُهْمَلَةِ أَيْ تَبْرُقُ. وَ (الشِّرَاكُ) بِكَسْرِ الشِّينِ وَهُوَ سَيْرُ النَّعْلِ، وَمَعْنَاهُ مَاءٌ قَلِيلٌ جِدًّا.
قَوْلُهُ: (فَجَرَتِ الْعَيْنُ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ) أَيْ كَثِيرِ الصَّبِّ وَالدَّفْعِ.
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قَدْ مُلِئَ جِنَانًا) أَيْ بَسَاتِينَ وَعُمْرَانًا، وَهُوَ جَمْعُ جَنَّةٍ، وَهُوَ أَيْضًا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ.
(1) صحيح مسلم» كتاب الفضائل» باب في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم» حديث رقم 706