الرَّجُلَ حَقَّهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، لا تَبْرَحْ حَتَّى أُخْرِجَ إِلَيْهِ حَقَّهُ، فَدَخَلَ فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ حَقَّهُ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ أَبُو جَهْلٍ، فَقَالُوا لَهُ: وَيْلَكُ مَا لَكَ؟ فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَنَعْتَ!، فَقَالَ: وَيْحَكُمْ وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلا أَنْ ضَرَبَ عَلَيَّ بَابِي، وَسَمِعْتُ صَوْتَهُ، فَمُلِئتُ رُعْبًا، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَيْهِ، وَإِنَّ فَوْقَ رَأْسِي لَفَحَلا مِنَ الإِبِلِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَامَتِهِ وَلا قَصَرَتِهِ، وَلا أَنْيَابِهِ لِفَحْلٍ قَطُّ، فَوَاللَّهِ لَوْ أَبَيْتُ لأَكَلَنِي" [1] ."
رَوَى بن هِشَامٍ فِي سِيرَتِهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَدَلَ الصُّفُوفَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَفِي يَدِهِ قِدْحٌ يُعَدِّلُ بِهِ الْقَوْمَ، فَمَرَّ بِسَوَادِ بْنِ غَزِيَّةَ، حَلِيفِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُوَ مُسْتَنْتِلٌ مِنَ الصَّفِّ، فَطَعَنَهُ رَسُول اللَّهِ بِالْقِدْحِ فِي بَطْنِهِ، وَقَالَ: اسْتَوِ يَا سَوَادُ، فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّهِ، أَوْجَعْتَنِي، وَقَدْ بَعَثَكَ اللَّهُ بِالْحَقِّ، فَأَقِدْنِي. فَكَشَفَ رَسُول اللَّهِ عَنْ بَطْنِهِ، وَقَالَ:"اسْتَقْدِ". فَاعْتَنَقَهُ، وَقَبَّلَ بَطْنَهُ، وَقَالَ:"مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا يَا سَوَادُ؟"فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّهِ، حَضَرَ مَا تَرَى، وَلَمْ آمَنِ الْقَتْلَ، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ آخِرَ الْعَهْدِ بِكَ أَنْ يَمَسَّ جِلْدِي جِلْدَكَ، فَدَعَا لَهُ رَسُول اللَّهِ بِخَيْرٍ. أَخْرَجَهُ الثَّلاثَةُ، وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ لِسَوَادِ بْنِ عَمْرٍو، لا لِسَوَادِ بْنِ غَزِيَّةَ [2] .
(1) السيرة النبوية لابن هشام» أمر الإراشي الذي باع أبا جهل إبله» إنصاف الرسول له من أبي جهل» الجزء الأول صفحة 289
(2) قال الألباني في"السلسلة الصحيحة» الجزء رقم 6» الصفحة رقم 808"
"أخرجه ابن إسحاق في"السيرة" (2/ 266 - سيرة ابن هشام) و من طريقه أبو"
نعيم في"معرفة الصحابة" (ق 303/ 1) و ابن الأثير في"أسد الغابة"(2 /
332)قال ابن إسحاق: و حدثني حبان بن واسع بن حبان عن أشياخ من قومه: أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر، و في يده قدح يعدل به
القوم، فمر بسواد بن غزية - حليف بني عدي بن النجار - و هو مستنتل من الصف،
فطعن في بطنه بالقدح، و قال:"استو يا سواد"، فقال: يا رسول الله!
أوجعتني و قد بعثك الله بالحق و العدل، فأقدني. قال: فكشف رسول الله صلى
الله عليه وسلم عن بطنه، و قال:"استقد"، قال: فاعتنقه فقبل بطنه، فقال
:"ما حملك على هذا يا سواد؟"قال: يا رسول الله! حضر ما ترى، فأردت أن
يكون آخر العهد بك: أن يمس جلدي جلدك! فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم
بخير و قال له: فذكره. قلت: و هذا إسناد حسن إن شاء الله تعالى لأن الأشياخ
من قوم حبان من الأنصار، فإن كانوا من الصحابة فلا إشكال، و إن كانوا من
التابعين فهم من كبارهم، لأن حبان تابعي من الخامسة عند الحافظ، و هم جمع لا
يضر جهالتهم كما هو معروف عند أهل العلم. و روايتهم لهذه القصة تدل على أنها
كانت مشهورة عندهم، متداولة بينهم. و قد ذكر لها الحافظ في"الإصابة"شاهدا
من مرسل جعفر بن محمد عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتخطى بعرجون
، فأصاب به سواد بن غزية الأنصاري .. فذكر القصة. قلت: و أخرجها ابن سعد في
ترجمة سواد بن غزية (3/ 516 - 517) بسند صحيح عن الحسن مرسلا بلفظ:"رأى"
سواد بن عمرو .."قال ابن سعد: هكذا قال إسماعيل. يعني ابن علية. و مال"
الحافظ إلى تعدد القصة. و الله أعلم"."