وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِذَلِكَ: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمَّ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ، مِنْ جَمِيعِ أَصْنَافِ الْمِلَلِ وَالْأَدْيَانِ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتَصِلُوهُمْ، وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ. إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَمَّ بِقَوْلِهِ: (الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ) جَمِيعَ مَنْ كَانَ ذَلِكَ صِفَتَهُ، فَلَمْ يُخَصِّصْ بِهِ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: ذَلِكَ مَنْسُوخٌ، لِأَنَّ بِرَّ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مِمَّنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَرَابَةُ نَسَبٍ، أَوْ مِمَّنْ لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَلَا نَسَبَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ وَلَا مَنْهِيٍّ عَنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ لَهُ، أَوْ لِأَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى عَوْرَةٍ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، أَوْ تَقْوِيَةٌ لَهُمْ بِكُرَاعٍ أَوْ سِلَاحٍ. قَدْ بَيَّنَ صِحَّةَ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ، الْخَبَرُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي قِصَّةِ أَسْمَاءَ وَأُمِّهَا.
وَقَوْلُهُ: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنْصِفِينَ الَّذِينَ يُنْصِفُونَ النَّاسَ، وَيُعْطُونَهُمُ الْحَقَّ وَالْعَدْلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَيَبَرُّونَ مَنْ بَرَّهُمْ، وَيُحْسِنُونَ إِلَى مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ" [1] ."
عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ قَالَ:"الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ" [2] .
قَوْلُ يِحْيَى بْن شَرَفٍ أَبُو زَكَرِيَّا النَّوَوِي فِي شَرْحِهِ لِلْحَدِيثِ
"قَوْلُهُ: (عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ) هَكَذَا وَقَعَ فِي نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: (الْأَنْصَارِيِّ) قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ: هَذَا وَهَمٌ، وَصَوَابُهُ الْكِلَابِيُّ فَإِنَّ النَّوَّاسَ كِلَابِيَّ مَشْهُورٌ. قَالَ الْمَازِرِيُّ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ: الْمَشْهُورُ أَنَّهُ كِلَابِيٌّ، وَلَعَلَّهُ حَلِيفُ لِلْأَنْصَارِ. قَالَا: وَهُوَ النَّوَّاسُ بْنُ سَمْعَانَ بْنِ"
(1) تفسير الطبري ... » تفسير سورة الممتحنة ... » القول في تأويل قوله تعالى"لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم"» الجزء الثالث والعشرون