فهرس الكتاب

الصفحة 388 من 454

"الدَّرَجَةُ الْأُولَى: حَيَاءٌ يَتَوَلَّدُ مِنْ عِلْمِ الْعَبْدِ بِنَظَرِ الْحَقِّ إِلَيْهِ. فَيَجْذِبُهُ إِلَى تَحَمُّلِ هَذِهِ الْمُجَاهَدَةِ. وَيَحْمِلُهُ عَلَى اسْتِقْبَاحِ الْجِنَايَةِ. وَيُسْكِتُهُ عَنِ الشَّكْوَى."

يَعْنِي: أَنَّ الْعَبْدَ مَتَى عَلِمَ أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى نَاظِرٌ إِلَيْهِ أَوْرَثَهُ هَذَا الْعِلْمُ حَيَاءً مِنْهُ. يَجْذِبُهُ إِلَى احْتِمَالِ أَعْبَاءِ الطَّاعَةِ، مِثْلَ الْعَبْدِ إِذَا عَمِلَ الشُّغْلَ بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ نَشِيطًا فِيهِ، مُحْتَمِلًا لِأَعْبَائِهِ. وَلَا سِيَّمَا مَعَ الْإِحْسَانِ مِنْ سَيِّدِهِ إِلَيْهِ، وَمَحَبَّتِهِ لِسَيِّدِهِ. بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ غَائِبًا عَنْ سَيِّدِهِ. وَالرَّبُّ تَعَالَى لَا يَغِيبُ نَظَرُهُ عَنْ عَبْدِهِ. وَلَكِنْ يَغِيبُ نَظَرُ الْقَلْبِ وَالْتِفَاتُهُ إِلَى نَظَرِهِ سُبْحَانَهُ إِلَى الْعَبِيدِ. فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا غَابَ نَظَرُهُ، وَقَلَّ الْتِفَاتُهُ إِلَى نَظَرِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَيْهِ: تَوَلَّدَ مِنْ ذَلِكَ قِلَّةُ الْحَيَاءِ وَالْقِحَةُ.

وَكَذَلِكَ يَحْمِلُهُ عَلَى اسْتِقْبَاحِ جِنَايَتِهِ. وَهَذَا الِاسْتِقْبَاحُ الْحَاصِلُ بِالْحَيَاءِ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى اسْتِقْبَاحِ مُلَاحَظَةِ الْوَعِيدِ. وَهُوَ فَوْقَهُ.

وَأَرْفَعُ مِنْهُ دَرَجَةً: الِاسْتِقْبَاحُ الْحَاصِلُ عَنِ الْمَحَبَّةِ. فَاسْتِقْبَاحُ الْمُحِبِّ أَتَمُّ مِنِ اسْتِقْبَاحِ الْخَائِفِ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا الْحَيَاءَ يَكُفُّ الْعَبْدَ أَنْ يَشْتَكِيَ لِغَيْرِ اللَّهِ. فَيَكُونَ قَدْ شَكَا اللَّهَ إِلَى خَلْقِهِ. وَلَا يَمْنَعُ الشَّكْوَى إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ. فَإِنَّ الشَّكْوَى إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ فَقْرٌ، وَذِلَّةٌ، وَفَاقَةٌ، وَعُبُودِيَّةٌ. فَالْحَيَاءُ مِنْهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لَا يُنَافِيهَا.

الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: حَيَاءٌ يَتَوَلَّدُ مِنَ النَّظَرِ فِي عِلْمِ الْقُرْبِ. فَيَدْعُوهُ إِلَى رُكُوبِ الْمَحَبَّةِ. وَيَرْبُطُهُ بِرُوحِ الْأُنْسِ. وَيُكَرِّهُ إِلَيْهِ مُلَابَسَةَ الْخَلْقِ.

النَّظَرُ فِي عِلْمِ الْقُرْبِ: تَحَقُّقُ الْقَلْبِ بِالْمَعِيَّةِ الْخَاصَّةِ مَعَ اللَّهِ. فَإِنَّ الْمَعِيَّةَ نَوْعَانِ: عَامَّةٌ. وَهِيَ: مَعِيَّةُ الْعِلْمِ وَالْإِحَاطَةِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَقَوْلِهِ: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت