الرَّاغِبُ: وَهُوَ اسْمُ الْأَخْلَاقِ، وَكَذَلِكَ الْأَفْعَالُ الْمَحْمُودَةُ، قَالَ وَلَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ كَرِيمٌ حَتَّى يَظْهَرَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَلَمَّا كَانَ أَكْرَمُ الْأَفْعَالِ مَا يُقْصَدُ بِهِ أَشْرَفُ الْوُجُوهِ، وَأَشْرَفُهَا مَا يُقْصَدُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ مِنَ الْمُتَّقِي قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ وَكُلُّ فَائِقٍ فِي بَابِهِ يُقَالُ لَهُ كَرِيمٌ.
حَدِيثُ أَنَسٍ قَالَ:"كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْسَنَ النَّاسِ"أَيْ أَحْسَنَهُمْ خَلْقًا وَخُلُقًا"وَأَجْوَدَ النَّاسِ"أَيْ أَكْثَرَهُمْ بَذْلًا لِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ"وَأَشْجَعَ النَّاسِ"أَيْ أَكْثَرَهُمْ إِقْدَامًا مَعَ عَدَمِ الْفِرَارِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ، وَاقْتِصَارُ أَنَسٍ عَلَى هَذِهِ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثِ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ لِأَنَّهَا أُمَّهَاتُ الْأَخْلَاقِ، فَإِنَّ: فِي كُلِّ إِنْسَانٍ ثَلَاثُ قُوًى:
أَحَدُهَا: الْغَضَبِيَّةُ وَكَمَالُهَا الشَّجَاعَةُ،
ثَانِيهَا: الشَّهْوَانِيَّةُ وَكَمَالُهَا الْجُودُ،
ثَالِثهَا: الْعَقْلِيَّةُ وَكَمَالُهَا النُّطْقُ بِالْحِكْمَةِ. وَقَدْ أَشَارَ أَنَسٌ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:"أَحْسَنُ النَّاسِ"لِأَنَّ الْحُسْنَ يَشْمَلُ الْقَوْلَ وَالْفِعْلَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِأَحْسَنِ النَّاسِ حُسْنَ الْخِلْقَةِ وَهُوَ تَابِعٌ لِاعْتِدَالِ الْمِزَاجِ الَّذِي يَتْبَعُ صَفَاءَ النَّفْسِ الَّذِي مِنْهُ جَوْدَةُ الْقَرِيحَةِ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْهَا الْحِكْمَةُ قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ، وَقَوْلُهُ:"فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ"أَيْ سَمِعُوا صَوْتًا فِي اللَّيْلِ فَخَافُوا أَنْ يَهْجُمَ عَلَيْهِمْ عَدُوٌّ، وَقَوْلُهُ:"فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ"أَيْ إِنَّهُ سَبَقَ فَاسْتَكْشَفَ الْخَبَرَ فَلَمْ يَجِدْ مَا يَخَافُ مِنْهُ فَرَجَعَ يُسَكِّنُهُمْ. وَقَوْلُهُ: لَمْ تُرَاعُوا هِيَ كَلِمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ تَسْكِينِ الرَّوْعِ تَأْنِيسًا، وَإِظْهَارًا لِلرِّفْقِ بِالْمُخَاطَبِ" [1] ."
(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري» الحديث رقم 5686