يَقُولُ الحَقُّ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ (128) } [1]
كِتَابُ فِي الصُّلْحِ (لِأَبِي الوَلِيدِ مُحَمَّدٍ بِن أَحْمَدٍ بِن مُحَمَّدٍ بِن رُشْدٍ القُرْطُبِيِّ)
"وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) . وَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا عَلَى عُمَرَ:"إِمْضَاءُ الصُّلْحِ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا، أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا". وَاتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِهِ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ عَلَى الْإِنْكَارِ: فَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ عَلَى الْإِنْكَارِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ عَلَى الْإِنْكَارِ; لِأَنَّهُ مَنْ أَكَلَ الْمَالَ بِالْبَاطِلِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ. وَالْمَالِكِيَّةُ تَقُولُ فِيهِ عِوَضٌ، وَهُوَ سُقُوطُ الْخُصُومَةِ وَانْدِفَاعُ الْيَمِينِ عَنْهُ."
وَلَا خِلَافَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ الصُّلْحَ الَّذِي يَقَعُ عَلَى الْإِقْرَارِ يُرَاعَى فِي صِحَّتِهِ مَا يُرَاعَى فِي الْبُيُوعِ، فَيُفْسَدُ بِمَا تَفْسَدُ بِهِ الْبُيُوعُ مِنْ أَنْوَاعِ الْفَسَادِ الْخَاصِّ بِالْبُيُوعِ، وَيَصِحُّ بِصِحَّتِهِ، وَهَذَا هُوَ مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ إِنْسَانٌ عَلَى آخَرَ دَرَاهِمَ فَيُصَالِحُهُ عَلَيْهَا بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِدَنَانِيرَ نَسِيئَةً، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنَ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ مِنْ قِبَلِ الرِّبَا وَالْغَرَرِ.
وَأَمَّا الصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ: فَالْمَشْهُورُ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ يُرَاعَى فِيهِ مِنَ الصِّحَّةِ مَا يُرَاعَى فِي الْبُيُوعِ، مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ إِنْسَانٌ عَلَى آخَرَ دَرَاهِمَ فَيُنْكِرُ، ثُمَّ يُصَالِحُهُ عَلَيْهَا بِدَنَانِيرَ مُؤَجَّلَةٍ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِهِ. وَقَالَ أَصْبَغُ: هُوَ جَائِزٌ; لِأَنَّ الْمَكْرُوهَ فِيهِ مِنَ
(1) سورة النساء