مِمَّنْ تَلِدُهُمْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا الشَّرْعِيِّ، أَوْ بِمَا هُوَ أَوْضَحُ مِنْ هَذَا عِنْدَهُ كَأَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْمَرْأَةُ لَا تَلِدُ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ فَهَلْ يَكُونُ هَذَا الْعَمَلُ مِنْ مُقَوِّمَاتِ الْفَضِيلَةِ الْمَحْدُودَةِ بِمَا ذَكَرْتُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، كُلٌّ مِنْ هَذَا وَذَاكَ يُعَدُّ مِنَ الْفَضِيلَةِ فِي الْوَاقِعِ، وَنَفْسُ الْأَمْرِ إِذَا كَانَ اعْتِقَادُ الْفَاعِلِ بِنَفْعِهِ لِلْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ صَحِيحًا، وَإِنْ كَانَ الْقَانُونُ لَا يُجِيزُ الْحُكْمَ لَهُ بِحَسَبِ اعْتِقَادِهِ إِذَا ظَهَرَ الْأَمْرُ، وَرُفِعَ إِلَى الْقَاضِي.
أَقُولُ: وَقِسْ عَلَى السَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ وَالْفَاحِشَةِ جَمِيعَ الرَّذَائِلِ حَتَّى الْقَتْلَ، فَإِنَّهَا يُمْكِنُ أَنْ تُعَدَّ مِنَ الْفَضَائِلِ عَلَى ذَلِكَ التَّعْرِيفِ إِذَا ظَنَّ فَاعِلُهَا أَنَّهُ يَنْفَعُ الْهَيْئَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ كَأَنْ يَقْتُلَ مَنْ يَرَى هُوَ فِي سِيَاسَتِهِ أَوِ اعْتِقَادِهِ أَوْ عَمَلِهِ ضَرَرًا وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ يَرَى ذَلِكَ نَافِعًا، فَهَذَا الْمَذْهَبُ الْجَدِيدُ فِي الْفَلْسَفَةِ الْعَمَلِيَّةِ هُوَ شَرُّ مَذْهَبٍ أُخْرِجَ لِلنَّاسِ، فَإِنَّ الرَّذَائِلَ فِيهِ قَدْ تُسَمَّى عَقَائِلَ الْفَضَائِلِ، وَالْمَفَاسِدُ تُعَدُّ فِيهِ مِنْ أَنْفَعِ الْمَصَالِحِ، وَالْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ هُوَ الْهَوَى، وَلَوْلَا افْتِتَانُ ضُعَفَاءِ النُّفُوسِ بِبَعْضِ مَنْ يَقُولُونَ بِهِ لَمَا اسْتَحَقَّ أَنْ يُحْكَى، وَكَانَ لِلْفَلَاسِفَةِ الْأَوَّلِينَ مَذَاهِبُ فِي الْفَضِيلَةِ مَعْقُولَةٌ، وَآرَاءٌ صَحِيحَةٌ، وَقَدْ أَنْطَقَهُمُ اللَّهُ - تَعَالَى - بِكَثِيرٍ مِنَ الْحِكَمِ، وَلَكِنْ ثَمَرَاتُ عُقُولِهِمْ لَمْ تَكُنْ دَانِيَةَ الْقُطُوفِ، يَجْنِيهَا الْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مَا لِهِدَايَةِ الْوَحْيِ مِنَ السُّلْطَانِ عَلَى الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ، وَالتَّأْثِيرِ السَّرِيعِ فِي إِصْلَاحِ شُئُونِ الِاجْتِمَاعِ، فَمِنْ ثَمَّ كَانَ الدِّينُ أَنْفَعَ مِنَ الْفَلْسَفَةِ لِلنَّاسِ، وَلَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ عَنِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ إِلَّا مَا أَسْنَدْتُهُ إِلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ عَلَيْهَا، وَقَوْلُهُ فِي تَفْسِيرِ ابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ: إِنَّهَا إِنَّمَا تُطْلَبُ بِالْإِخْلَاصِ، وَعَدَمِ إِرَادَةِ السُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ كَمَا يَفْعَلُ الْمُتَفَاخِرُونَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ تَصَدَّقْنَا أَعْطَيْنَا مَنَحْنَا عَمِلْنَا وَعَمِلْنَا، فَهَؤُلَاءِ إِنَّمَا يَبْتَغُونَ الرِّبْحَ بِمَا يَبْذُلُونَ أَوْ يَعْمَلُونَ لَا مَرْضَاةً لِلَّهِ - تَعَالَى - ; وَلِذَلِكَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونَ خَفِيًّا، وَأَنْ يُخْلِصُوا فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ نَجِيًّا ; لِأَنَّ الِاسْتِفَادَةَ مِنْهُ بِجَذْبِ الْقُلُوبِ إِلَيْهِمْ، وَتَسْخِيرِ النَّاسِ لِخِدْمَتِهِمْ، وَرَفْعِهِمْ لِمَكَانَتِهِمْ إِنَّمَا تَكُونُ بِإِظْهَارِهِ لَهُمْ، لِيَتَعَلَّقَ الرَّجَاءُ فِيهِمُ انْتَهَى بِبَسْطٍ وَإِيضَاحٍ" [1] ."
(1) تفسير المنار ... » سورة النساء ... » تفسير قوله تعالى لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس» الجزء الخامس