فهرس الكتاب

الصفحة 281 من 454

ذَلِكَ بِخِلَافِ السَّلَفِ فِي مَسْأَلَةِ إِكْمَالِ الْفَرَائِضِ وَالْأَحْكَامِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَذَكَرَ مَا رَوَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالسُّدِّيِّ مِنْ تَفْسِيرِ الْإِكْمَالِ بِإِكْمَالِ الْفَرَائِضِ وَالْأَحْكَامِ، وَمَا يُعَارِضُهُ مِنْ قَوْلِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، فِي آيَةِ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنَّهَا آخَرُ آيَةٍ نَزَلَتْ، وَنَقُولُ: لَا مُعَارَضَةَ فَإِنَّ مُرَادَهُ أَنَّهَا آخِرُ آيَاتِ الْفَرَائِضِ، وَهَذَا لَا يَنْفِي أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ قَبْلَ آيَةِ الْمَائِدَةِ وَسُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى التَّرْجِيحِ أَيْضًا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْوَحْيَ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى أَنْ قُبِضَ، وَكَوْنِهِ كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ أَكْثَرَ مَا كَانَ تَتَابُعًا، وَجَعَلَ مِنْهُ آيَةَ الْفَتْوَى فِي الْكَلَالَةِ، وَأَصْحَابُ الْقَوْلِ الْآخَرِ يَمْنَعُونَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَةُ مِمَّا نَزَلَ بَعْدَ آيَةِ الْمَائِدَةِ، وَلَا يَمْنَعُونَ غَيْرَهَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ فَرَائِضُ وَلَا حَلَالٌ وَلَا حَرَامٌ، وَبِهَذَا يُبْطِلُ تَرْجِيحُهُ إِثْبَاتَ نُزُولِ شَيْءٍ مِنَ الْأَحْكَامِ عَلَى نَفْيِهِ بِتَقْدِيمِ الْمُثْبِتِ عَلَى النَّافِي.

وَقَدْ كَانَ قَدَّمَ قَوْلَ مَنْ قَالُوا بِخِلَافِ مَا اخْتَارَهُ وَبَيَّنَهُ أَتَمَّ بَيَانٍ ; إِذْ قَالَ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، فَرَائِضِي عَلَيْكُمْ وَحُدُودِي وَأَمْرِي إِيَّاكُمْ وَنَهْيِي وحلَالِي وَحَرَامِي وَتَنْزِيلِي مِنْ ذَلِكَ مَا أَنْزَلْتُ مِنْهُ فِي كِتَابِي، وَتِبْيَانِي مَا بَيَّنْتُ لَكُمْ مِنْهُ بِوَحْيِي عَلَى لِسَانِ رَسُولِي، وَالْأَدِلَّةِ الَّتِي نَصَبْتُهَا لَكُمْ عَلَى جَمِيعِ مَا بِكُمُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ، فَأَتْمَمْتُ لَكُمْ جَمِيعَ ذَلِكَ، فَلَا زِيَادَةَ فِيهِ بَعْدَ الْيَوْمِ. انْتَهَى الْمُرَادُ مِنْهُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَارِيخَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ بَعْدَهُ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ شَيْءٌ، وَأَيَّدَهُ بِالرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالسُّدِّيِّ، وَأَمَّا مُقَابِلُهُ، وَهُوَ تَفْسِيرُ الدِّينِ بِالْحَجِّ خَاصَّةً فَأَيَّدَهُ بِالرِّوَايَةِ عَنْ قَتَادَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَسَنُبَيِّنُ رَأْيَنَا فِي رَدِّهِ.

وَأَمَّا مُفَسِّرُو الْخَلَفِ فَقَدْ نَظَرُوا فِي الْآيَةِ نَظَرًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِهَا أَهْلُ الظَّاهِرِ عَلَى بُطْلَانِ الْقِيَاسِ وَكُلِّ مَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنْ أَحْكَامِ الْعِبَادَاتِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ; فَأَرَادُوا دَفْعَ ذَلِكَ، وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُهُمْ مَا فِي مَفْهُومِ الْإِكْمَالِ مِنْ سَبْقِ النَّقْصِ ; فَأَرَادُوا التَّفَصِّيَ مِنْهُ، وَقَدْ سَبَقَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ إِلَى قَوْلٍ جَامِعٍ فِي الْأَمْرَيْنِ، تَبِعَهُ فِيهِ الْبَيْضَاوِيُّ وَالرَّازِيُّ وَأَبُو السُّعُودِ كَعَادَتِهِمْ، قَالَ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ كَفَيْتُكُمْ أَمْرَ عَدُوِّكُمْ، وَجَعَلْتُ الْيَدَ الْعُلْيَا لَكُمْ، كَمَا تَقُولُ الْمُلُوكُ: الْيَوْمَ كَمُلَ لَنَا الْمُلْكُ وَكَمُلَ لَنَا مَا نُرِيدُ، إِذَا كُفُوا مَنْ يُنَازِعُهُمُ الْمُلْكَ وَوَصَلُوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت