إِلَى أَغْرَاضِهِمْ وَمَنَافِعِهِمْ، أَوْ أَكْمَلْتُ لَكُمْ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي تَكْلِيفِكُمْ مِنْ تَعْلِيمِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالتَّوْقِيفِ عَلَى الشَّرَائِعِ وَقَوَانِينِ الْقِيَاسِ وَأُصُولِ الِاجْتِهَادِ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي بِفَتْحِ مَكَّةَ وَدُخُولِهَا آمِنِينَ ظَاهِرِينَ، وَهَدْمِ مَنَارِ الْجَاهِلِيَّةِ وَمَنَاسِكِهِمْ، وَأَنْ لَمْ يَحُجَّ مَعَكُمْ مُشْرِكٌ وَلَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، أَوْ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَا نِعْمَةَ أَتَمُّ مِنْ نِعْمَةِ الْإِسْلَامِ. اه.
وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ بِالنَّصْرِ وَالْإِظْهَارِ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا بِالتَّنْصِيصِ عَلَى قَوَاعِدِ الْعَقَائِدِ، وَالتَّوْقِيفِ عَلَى أُصُولِ الشَّرَائِعِ وَقَوَانِينِ الِاجْتِهَادِ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ وَبِإِكْمَالِ الدِّينِ، أَوْ بِفَتْحِ مَكَّةَ وَهَدْمِ مَنَارِ الْجَاهِلِيَّةِ. اه.
وَتَبِعَهُمَا فِي ذَلِكَ أَبُو السُّعُودِ بِاللَّفْظِ وَالْفَحْوَى، قَالَ: وَتَقْدِيمُ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ، أَيْ تَقْدِيمُ لَكُمْ عَلَى قَوْلِهِ: دِينَكُمْ لِلْإِيذَانِ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ بِأَنَّ الْإِكْمَالَ لِمَنْفَعَتِهِمْ وَمَصْلَحَتِهِمْ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (94: 1) وَشَرَحَ الرَّازِيُّ احْتِجَاجَ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ بِالْآيَةِ وَرَدَّ مُثْبِتِيهِ عَلَيْهِمْ، وَالرَّدُّ مَبْنِيٌّ عَلَى إِثْبَاتِ الِاجْتِهَادِ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ، وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ بُطْلَانَ التَّقْلِيدِ، وَاعْتَمَدَ فِي مَسْأَلَةِ إِكْمَالِ الدِّينِ مِنْ أَوَّلِهِ قَوْلَ الْقَفَّالِ أَنَّ كُلَّ مَا نَزَلَ فِي وَقْتٍ كَانَ كَافِيًا لِأَهْلِهِ فِيهِ، وَلَمْ تَكُنْ مَسَّتِ الْحَاجَةُ إِلَى غَيْرِهِ، وَأَنَّ هَذَا الْإِكْمَالَ فِي الْآيَةِ هُوَ إِكْمَالُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى نُزُولِ الْآيَةِ وَمَا بَعْدَهَا إِلَى يَوْمِ السَّاعَةِ.
(إِكْمَالُ الدِّينِ بِالْقُرْآنِ)
لَمْ أَرَ لِعَالَمٍ مِنْ حُكَمَاءِ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ كَلَامًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْعَظِيمَةِ مِثْلَ كَلَامِ الْإِمَامِ أَبِي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى اللَّخْمِيِّ الشَّاطِبِيِّ الْغِرْنَاطِيِّ، فَقَدْ ذَكَرَهَا فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ (الْمُوَافِقَاتِ) الَّذِي لَمْ يُؤَلَّفْ مِثْلَهُ فِي أُصُولِ الْإِسْلَامِ وَحِكْمَتِهِ، وَمِنْ أَوْسَعِ كَلَامِهِ فِيهَا مَا ذَكَرَهُ فِي الطَّرَفِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِ"الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ"مِنْهُ، وَقَدْ رَأَيْنَا أَنْ نُلَخِّصَهُ هُنَا تَلْخِيصًا، قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي (الْمَسْأَلَةِ السَّادِسَةِ) مِنْهُ: