مجهوداتنا لإدخال إصلاحات ثقافية في المجتمع المغربي، ألا نعمل على زعزعة هذا المجتمع، وألا نمس تقاليده. يجب أن نعطي لجميع الطبقات"خبز الحياة" (يقصد التعليم) الذي يناسبها والذي هي في حاجة إليه، كما يجب أن نوجه تطور كل من هذه الطبقات في الإطار الخاص بها. هنا كما في بلدان أخرى توجد بروليتاريا يدوية ... ولكن ليس لدينا في المغرب بروليتاريا فكرية. فهل هناك أية فائدة في خلق مثل هذه البروليتاريا الفكرية، سواء بالنسبة لمصلحة المجتمع المغربي أم بالنسبة للسيطرة الفرنسية؟ يقينا، لا .. إن عملنا العظيم الذي نقوم به من أجل التجديد الثقافي يجب أن ينحصر فقط ضمن الأطر التقليدية لهذا المجتمع. وسيتوجه نحو البورجوازية التجارية والقروية، نحو موظفي المخزن، نحو رجال الدين ورجال العلم، وبكلمة واحدة النخبة ... يجب ألا نخلق- بواسطة التعليم- جماعة من الساخطين المستائين اللامنتمين طبقيا. لنبق أسياد المستقبل، لنجمع بين الصفوة الاجتماعية والنخبة الفكرية، وذلك بمنح التربية الفكرية الرفيعة لأطر المجتمع المغربي وحدها، أولئك الذين يستطيعون استيعابها واستعمالها." [1] "
هذا، وقد التجأت فرنسا إلى إصدار الظهير البربري الذي يهدف إلى تطبيق سياسية فرق تسد، بفصل البرابرة عن إخوانهم العرب، بإنشاء مدارس خاصة للأمازيغيين، تكون مخالفة للمدارس العربية الإسلامية الأصيلة، والهدف من ذلك كله هو إشعال جذوة العرقية بين سكان المغرب، وإبعاد الأمازيغ عن دينهم وعقيدتهم لكي يسهل عليهم تنصيرهم وتدجينهم واستلابهم فكريا ودينيا وحضاريا وثقافيا، وفرنستهم سلوكا وتعاملا وديانة. وفي هذا النطاق، يقول السيد مارتي:"لقد حصل الاتفاق بين إدارة التعليم العمومي وإدارة الشؤون الأهلية، وتحددت بذلك مبادئ سياستنا التعليمية البربرية بكامل الدقة. إن الأمر يتعلق بمدارس فرنسية بربرية تضم صغار البربر، يتلقون فيها تعليما فرنسيا محضا، ويسيطر عليها اتجاه مهني، فلاحي بالخصوص. إن البرنامج الدراسي في هذه"
(1) - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:20 - 21.