فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 378

هذا التجديد الذي تفرضه الظروف سيتم بدوننا وضدنا."ثم، يضيف:"إن تجديد القرويين سيمكننا من الاحتفاظ في المغرب بأولئك الشبان النازحين من عائلات مرموقة، بدل تركهم يذهبون إلى الشرق لتلقي العلم الذي ستحرمهم منه القرويين في حالة عدم تجديدها". ثم يتساءل:"ماذا يمكن أن يأتي به هؤلاء الشبان من الشرق؟"ألا يعودون بميول إنجليزية أو بروح النهضة الإسلامية والتعصب الوطني."

ومن هنا، يتضح أن هذه التدابير المختلفة المقترحة من أجل تجديد القرويين، والخاضعة لمراقبة فرنسية دقيقة، ليست أبدا تدابير ثورية، إنها لاتستهدف غير بعث الحياة القديمة نفسها التي كانت لجامعة القرويين، ولكن بصيغة جديدة، إنها تدابير ستمكننا من توجيه التطور الداخلي لهذه الجامعة، وهو التطور الذي بدأ يعلن عن نفسه منذ الآن. إن المثل القائل:"لاتحرك من لايحرك ساكنا"، هو بكل تأكيد من أحسن المبادئ السياسية. ولكن عندما يتململ النائم، ويهدد بالاستيقاظ، فإن الحكمة تقتضي، ولاشك، ألا يترك الإنسان نفسه يفاجأ بالأحداث." [1] "

يتبين لنا، من خلال هذا النص، أن الإقامة الفرنسية كانت تخاف من ترك جامع القرويين بدون إصلاح شكلي؛ لأنها تتخوف من الآثار الثورية الوافدة من الشرق. ويهدد هذا وضعية فرنسا بالمغرب، بانتشار الوعي بين الشعب المغربي. في حين، ما يهم فرنسا هو الحفاظ على أوضاع البلد كما هي. ولا يعني التجديد - هنا- عصرنة المواد وتحديثها وتجديدها، بل مجرد إصلاح سطحي، يهدف إلى إعادة جامع القرويين إلى فترتها المعهودة في الماضي، بتلقين المواد الدينية والشرعية واللغوية ليس إلا، وهي مواد لاتحرك الواقع السياسي، ولا تخدمه لامن قريب ولا من بعيد. ومن هنا، كانت سياسية فرنسا في المغرب أن يسعى التعليم إلى المحافظة على القيم الموروثة نفسها لدى المغاربة. وفي هذا النطاق، يقول السيد مارتي:"إنه لمن واجبنا، ومن أجل مصلحتنا معا، عندما نوجه"

(1) - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت