العربية. وكانت المساجد والجوامع - بطبيعة الحال- فضاءات للتوريق (الوعظ والتذكير والاستغفار والاستتابة) والتدريس والتعليم.
هذا، ويتميز المحتوى الدراسي، في المدارس العتيقة المغربية، بالطابع الموسوعي، وتعدد المواد الدراسية التي كانت تجمع بين العلوم النقلية والعقلية. وتضم لائحة العلوم والمعارف التي كانت تدرس بهذه المدارس أزيد من أربعين علما، وهي"لائحة تشكلت تدريجيا، ابتداء من القرنين الثاني للهجرة، مع ظهور العلوم الشرعية الإسلامية والأدبية، ومع اقتباس علوم الحضارات السابقة. ويمكن اعتبار تلك التصانيف نوعا من المقررات الدراسية التي يمكن للطلاب أن يختاروا منها ما يشاؤون، حسب عدة اعتبارات، غير أن لائحة المواد المدروسة علميا في حلقات الدروس العامة بالمساجد أو المدارس أقل من نصف اللائحة التي تقدمها كتب تصانيف العلوم، ولا تشتمل إلا على حوالي عشرين علما فقط، موزعة بين علوم دينية وأدبية وطبيعية. ولم يكن تدريس هذه اللائحة خاضعا لمقاييس مضبوطة ومقننة، إذ ليس هناك مضمون دراسي موحد لمستوى من مستويات التعليم، أو لجهة من جهات المغرب، خلال العصر الوسيط، في غياب أية سلطة تعليمية تشرف وتعمل على توحيد المقررات، بل كان الطلاب والمدرسون يتمتعون بحرية نسبية في اختيار المادة التي يرغبون في تعلمها، متى شاؤوا، ومن أي كتاب شاؤوا، وعلى الأستاذ الذي يطمئنون إليه. لذا، تعددت المحتويات التعليمية، حسب ميول الأفراد وتقاليد الجهات، في وقت معين. ومع ذلك، ترسخت، في ظل هذه الحرية النسبية وهذا التنوع، عوائد كانت توجه الطلاب لاختيار مواد بعينها والبداية بأخرى يفرضها مجتمع يتسم إجمالا بالمحافظة، وبالتالي، يمكن ملاحظة وجود وحدة داخل هذا التعدد والتنوع". [1]
(1) - حسين أسكان: تاريخ التعليم بالمغرب خلال العصر الوسيط، منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2004 م، ص:95 - 96.