التراث مازال مستمرا وممتدا في ثقافتنا المعاصرة، ومازال يحتاج إلى تجديد وقراءات مغايرة لفهمه وتفسيره، وتمثل إيجابياته ومواقفه الإيديولوجية الهادفة والبناءة. وفي هذا الإطار، يقول الجابري:"ولكن لماذا الاستمرارية؟"
أولا: لأن الأمر يتعلق بتراث هو تراثنا نحن، فهو جزء منا أخرجناه عن ذواتنا لا لنلتقي به هناك بعيدا عنا، لا لنتفرج عليه تفرج الأنتروبولوجي في منشأته الحضارية والبنيوية، ولا لنتأمله تأمل الفيلسوف لصروحه الفكرية المجردة، بل فصلناه عنا من أجل أن نعيده إلينا في صورة جديدة، وبعلاقات جديدة، من أجل أن نجعله معاصرا لنا على صعيد الفهم والمعقولية، وأيضا على صعيد التوظيف الفكري والإيديولوجي. ولم لا إذا كان هذا التوظيف سيتم بروح نقدية ومن منظور عقلاني؟" [1] "
ومن ثم، فقراءة عابد الجابري للتراث قراءة ثلاثية الأبعاد منهجيا. ويعني هذا أن قراءة الجابري لها صورة بنيوية تكوينية، تستند إلى ثلاث خطوات منهجية أساسية هي: الطرح البنيوي الداخلي، والطرح التاريخي، والطرح الإيديولوجي. ومن ثم، تنطلق المعالجة البنيوية الداخلية من النص كألفاظ أولا، ومعان ثانيا، وقضايا وإشكاليات ثالثا. بمعنى أن نتعامل مع النص كمعطى، ولا نهتم بالأحكام الخارجية المسبقة حول التراث، أو الانسياق شعوريا أولا شعوريا وراء الرغبات الحاضرة، فلا بد من الانطلاق من النصوص فهما وتفسيرا وتأويلا. وفي هذا النطاق، يقول الجابري في حديثه المعالجة البنيوية بأنها تعني"ضرورة وضع جميع أنواع الفهم السابقة لقضايا التراث بين قوسين، والاقتصار على التعامل مع النصوص، كمدونة، ككل تتحكم فيه ثوابت، ويغتني بالتغيرات التي تجري عليه حول محور واحد. هذا يقتضي محورة فكر صاحب النص (مؤلف، فرقة، تيار ... ) حول إشكالية واضحة قادرة على استيعاب جميع التحولات التي يتحرك بها ومن خلالها فكر صاحب النص، بحيث"
(1) - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:86 - 87.