ولكن أهم من تأثر به محمد الدريج هو عابد الجابري في تعامله المنهجي مع التراث تأصيلا وتأسيسا. ويرى محمد عابد الجابري، في دراساته الفكرية والفلسفية المختلفة، أن التراث العربي الإسلامي يظهر، بشكل جلي، في العقيدة، والشريعة، واللغة، والأدب، وعلم الكلام، والفلسفة، والتصوف ... ويمتد من القرن الأول حتى قبل عصر الانحطاط، بدون تحديد دقيق لبدايته، نظرا لاختلاف العلماء حول بداية تراجع المسلمين وانحطاطهم. ولكن ما يهمنا - يقول الجابري-:"هو اتفاق الجميع على أن التراث هو من إنتاج فترة زمنية تقع في الماضي، وتفصلها عن الحاضر مسافة زمنية ما، تشكلت خلالها هوة حضارية فصلتنا، ومازالت تفصلنا عن الحضارة المعاصرة، الحضارة الغربية الحديثة. ومن هنا، ينظر إلى التراث على أنه شيء يقع هناك. فعلا، مايميز التراث العربي الإسلامي في نظرنا هو أنه مجموعة عقائد ومعارف وتشريعات ورؤى، بالإضافة إلى اللغة التي تحملها وتؤطرها، تجد إطارها المرجعي التاريخي والإبستمولوجي في عصر التدوين (القرن الثاني والثالث للهجرة) وامتداداته التي توقفت آخر تموجاتها مع قيام الإمبراطورية العثمانية في القرن العاشر للهجرة (السادس عشر للميلادي) .أي: مع انطلاق النهضة الأوروبية الحديثة. وإذًا، فالتراث العربي الإسلامي- منظورا إليه من داخل منظومة مرجعية تتخذ الحضارة الراهنة، حضارة القرن العشرين، نقط إسناد لها-هو إنتاج فكري وقيم روحية دينية وأخلاقية وجمالية ... إلخ، تقع هناك فعلا. أي: خارج الحضارة الحديثة، ليس فقط بوصفها منجزات مادية وصناعية، بل أيضا بوصفها نظما معرفية ومنظومات فكرية وأخلاقية وجمالية ... إلخ. وبما أننا نعيش هذه الحضارة - على الأقل منفعلين إن لم نكن مستلبين- ونحلم بالانخراط الواعي الفاعل فيها، فإنه لابد من أن نشعر- وهذا ماهو حاصل فعلا- أننا نزداد بعدا عن تراثنا بازدياد ارتباطنا مع هذه الحضارة، وإن المسافة بين هناك وهنا تزداد"