4 -أن الشرع دلَّ على الأدلة العقلية وبيَّنها ونبَّه عليها.
وذلك كالأمثال المضروبة التي يذكُرها الله في كتابه التي قال فيها: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} [الروم: 58] ، فإن الأمثال المضروبة هي الأقيسة العقلية، فمِن ذلك إثبات التوحيد بقوله - تعالى: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} [لقمان: 11] ، وإثبات النبوة بقوله - تعالى: {قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [يونس: 16] ، وإثبات البعث بقوله - تعالى: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: 79] .
والناس في الأدلة العقلية التي بيَّنها القرآن، وأرشَد إليها الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - على طرفين:
-فمنهم من يذهل عن هذه الأدلة، ويقدح في الأدلة العقلية مطلقًا؛ لأنه قد صار في ذهنه أنها هي الكلام المبتدَع الذي أحدثه المتكلِّمون.
-ومنهم من يُعرِض عن تدبُّر القرآن وطلب الدلائل اليقينية العقلية منه؛ لأنه قد صار في ذهنه أن القرآن إنما يدل بطريق الخبر فقط.
والذي عليه أهل العلم والإيمان: أن الأدلة العقلية التي بيَّنها الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - أجلُّ الأدلة العقلية وأكملُها وأفضلُها.
5 -أن العقل لا يمكن أن يعارض الكتاب والسنة؛ فالعقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح أبدًا، فلا يصح أن يقال: إن العقل يخالف النقل، ومن ادَّعى ذلك، فلا يخلو من أمور:
أولها: أن ما ظنه معقولًا ليس معقولًا؛ بل هو شبهات توهم أنه عقل صريح، وليس كذلك.
ثانيها: أن ما ظنه سمعًا ليس سمعًا صحيحًا مقبولًا؛ إما لعدم صحة نسبته، أو لعدم فهم المراد منه على الوجه الصحيح.
ثالثها: أنه لم يفرِّق بين ما يُحيله العقل وما لا يدركه، فإن الشرع يأتي بما يَعجِز العقلُ عن إدراكه؛ لكنه لا يأتي بما يعلم العقل امتناعه [1] .
* ومذهب طائفة منهم - وهم صوفيتهم؛ كالغزالي والجامي - في مصدر التلقي، تقديمُ
(1) "معالم أصول الفقه"؛ محمد بن حسين الجيزاني، ص 99.