فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 150

للقبول، لقول القائل:

تَلَقَّاهَا عُرَابَةُ بِاليَمِينِ

أَيْ: هو مؤهَّل للمجد والشَّرف، وليس المراد بها الجارحة"؛ اهـ."

قلتُ: وما الخطأ في إثبات ما أثبته الله لِنَفْسِه، وما أثبته له رسولُه - صلى الله عليه وسلم - بل وما الذي يَدْعُوهم إلى تأَوُّل هذه الآيات والأحاديث التي تُثْبِت اليمين لله على المَجاز، وقد بيَّنا مِرارًا وتكرارًا بُطْلان مَسْلكهم، وفساد منطقهم؛ لأنَّ الله سبحانه أثبت لنفسه هذه الصفة، ويمينه سبحانه ليست كيمين المخلوق حتى يلزم التشبيه، كما يزعمون؛ فإنَّ الله - تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] ، والاتِّفاق في الاسم لا يقتضي الاتفاق في المُسمَّى، فللخالق صفاتٌ تليق به، وتختصُّ به، وللمخلوق صفات تليق به وتختص به، والله أعلم.

وظَنُّ الظانِّ أنَّ وَصْف الله - عزَّ وجلَّ - بما وصف به نفسه يؤدِّي إلى تشبيه الله - عزَّ وجلَّ - بخَلْقه من أفسد الأقوال، بل تَعْطيله لما ورد به النَّص تلزم منه عدَّةُ أمور لا يمكن أن يقول بها لو علمها.

قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة - رحمه الله - في"مجموع الفتاوى"5/ 209:

"وهؤلاء الجُهَّال يُمثِّلون - في ابتداءِ فهمهم - صفات الخالق بصفات المخلوق، ثم يَنْفُون ذلك ويُعطِّلونه، فلا يفهمون من ذلك إلاَّ ما يختصُّ بالمخلوق، وينفون مَضْمون ذلك، ويَكونون قد جحدوا ما يستحقُّه الربُّ من خصائصه وصفاته، وألحدوا في أسماء الله وآياته، وخرجوا عن القياس العقلي والنصِّ الشرعي، فلا يبقى بأيديهم لا معقول صريح، ولا منقول صحيح، ثم لا بُدَّ لهم من إثبات بعض ما يُثْبِته أهل الإثبات من الأسماء والصفات، فإذا أثبتوا البعض ونفَوُا البعض، قيل لهم: ما الفَرْقُ بين ما أثبتموه ونفيتموه؟ ولِمَ كان هذا حقيقة ولَمْ يكن هذا حقيقة؟ لم يكن لهم جوابٌ أصلًا، وظهر بذلك جهلهم وضلالهم شرعًا وقدْرًا؛ اهـ. [1] ."

(1) فائدة:

جاء في"صحيح مسلم": عن عبدالله بن عُمَر قال: قال رسول الله ?: (( يَطْوِي الله - عزَّ وجلَّ - السَّموات يوم القيامة؛ ثم يأخذهُنَّ بيده اليمنى؛ ثم يقول: أنا المَلِكُ، أين الجَبَّارون؟ أين المتكبِّرون؟ ثم يطوي الأرَضِين بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ) )؛ أخرجه مسلم في"صحيحه"، (كتاب صفة المنافقين، باب: صفة القيامة والجنة والنار، ح 24) .

أشْكل لفظُ: (( بشماله ) )على كثير من النَّاس، وتكلَّم غيرُ واحد في صِحَّتها، بينما أنكر آخَرون صِحَّتها.

قال العلاَّمة محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله - في"فتاوى العقيدة"ص 89:

"كلمة (( بشماله ) )اختلف فيها الرُّواة: فمنهم مَن أثبتها، ومنهم مَن أنكرها وقال: لا تصحُّ عن رسول الله ? وأصل هذه التَّخطئة هو ما ثبت في"صحيح مسلم"أنَّ الرسول ? قال: (( إنَّ المُقْسِطين عند الله على منابِرَ من نور، عن يَمِين الرحمن - عزَّ وجلَّ - وكِلْتا يديه يمين ) )؛ أخرجه مسلم في"صحيحه"، (كتاب الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر، والحث على الرفق بالرعية، ح 18) ."

وهذا يقتضي أنَّه ليس هناك يدٌ يمين، ويد شمال، ولكن قد روَى مسلم في"صحيحه"إثبات الشمال لله - تعالى - فإذا كانت محفوظة، فهي عندي لا تُنافي (( كلتا يديه يمين ) )؛ لأنَّ المعنى أنَّ اليد الأخرى ليست كيَدِ الشمال بالنسبة للمخلوق، ناقصة عن اليد اليمنى، فقال: (( كلتا يديه يمين ) )؛ أيْ: ليس فيهما نَقْصٌ، فلمَّا كان الوَهم رُبَّما يَذْهب إلى أنَّ إثبات الشمال يعنى النَّقص في هذه اليد دون الأخرى، قال: (( كلتا يديه يمين ) )، ويؤيِّده قوله: (( إن المَقْسِطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن ) )، فإنَّ المقصود بيان فضلهم ومرتبتهم، وأنَّهم على يمين الرَّحمن - سبحانه.

وعلى كلٍّ فإنَّ يدَيْهِ سبحانه اثنتان بلا شكٍّ، وكلُّ واحدة غير الأخرى، وإذا وصَفْنا اليد الأخرى بالشمال فليس المراد أنها أنقص من اليد اليمنى، بل كلتا يديه يمين.

والواجب علينا أن نقول: إنْ ثبَتَت عن رسول الله ? نؤمن بها، وإن لم تثبت فنقول: كلتا يديه يمين"؛ اهـ."

قلت: وهذه الزيادة صحَّحَها العلامة الألباني - رحمه الله - في"صحيح الجامع"برقم 8101.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت