فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 150

وكلامُ الحافظ - رحمه الله - مِمَّا لا دليل عليه، وإن سَلَّمْنا بأنَّ هذا الذي ذهب إليه الحافظُ - رحمه الله - قابِلٌ للتَّأويل لَزِمَنا أن نحقِّق فيه بعض الشُّروط حتى يُقبل ويَصِحَّ.

وللتأويل الصحيح أربعة شروط:

الشرط الأول: أن يكون اللَّفظ محتمِلًا للمعنى الذي تأوَّله المتأوِّل في لغة العرب.

الشرط الثاني: إذا كان اللَّفظ محتمِلًا للمعنى الذي تأوَّله المتأوِّل، فيجب عليه إقامة الدليل على تعَيُّن ذلك المعنى؛ لأنَّ اللفظ قد يكون له معانٍ، فتَعْيين المعنى يحتاج إلى دليل.

الشرط الثالث: إثبات صحَّة الدليل الصَّارف لِلَّفظ عن حقيقته وظاهره، فإنَّ دليل مُدَّعي الحقيقة والظاهر قائم، لا يجوز العُدول عنه إلاَّ بدليل صارف يكون أقوى منه.

الشرط الرابع: أن يَسْلَم الدَّليل الصارف لِلَّفظ عن حقيقته وظاهره عن مُعارِض.

قلتُ: وبِعَرض تأويل الحافظ على ما مَرَّ نَجِدُه غير معتبر من وجوه:

-أنه مِمَّا لا دليل عليه.

-وإن كان المعنى محتملًا، فإجراء الظَّاهر أولى؛ لأنَّ دليل مدَّعي الظَّاهر قائم.

-أنَّ إجراء الظاهر على حقيقته غير ممتنع، وإنما الممتنع هو مشابهة الله - عزَّ وجلَّ - للمخلوق فيها، فهو: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] .

قال العلامة ابن قَيِّم الجوزية - رحمه الله - في"الوابل الصَّيِّب"، ص 30:

"وتأويلهم إيَّاه بالثَّناء على الصائم والرِّضا بفِعْله، على عادة كثيرٍ منهم بالتَّأويل من غير ضرورة، وأيُّ ضرورة تَدْعو إلى تأويل كونه أطْيَب عند الله من ريح المسك بالثَّناء على فاعله والرِّضا بفعله، وإخراج اللَّفظ عن حقيقته؟ وكثيرٌ من هؤلاء يُنشِئ للَّفظ معْنًى ثم يدَّعي إرادة ذلك المعنى بلفظ النَّصِّ من غير نظر منه إلى استعمال ذلك اللَّفظ في المعنى الذي عَيَّنه، أو احتمال اللُّغة له، ومعلوم أنَّ هذا يتضمَّن الشهادة على الله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - بأنَّ مُراده من الكلام كيْتَ وكَيْت، فإنْ لم يكن معلومًا بوضع اللَّفظ لذلك المعنى، أو عُرْف الشَّارع - صلى الله عليه وسلم - وعادته المُطَّردة أو الغالبة باستعمال ذلك اللَّفظ في هذا المعنى، أو تفسيره له به، وإلاَّ كانت شهادة باطلة، وأَدْنى أحوالها أنْ تكون شهادة بلا علم."

ومن المَعْلوم أنَّ أطْيَب ما عند الناس من الرائحة رائحة المِسْك، فمَثَّل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - هذا الخُلوف عند الله بِطِيب رائحة المسك عندَنا وأعظم، ونسبة استطابة ذلك إليه - سبحانه وتعالى - كنسبة سائر صفاته وأفعاله إليه؛ فإنَّها استطابة لا تُماثل استطابةَ المَخْلوقين،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت