فليس بين القسمين فرق في الحكم بل الحكم في كل منهما واحد وهو الوجوب الشرعي، فالمحافظة على جوهر اللفظ وشكله واجب شرعي، والمحافظة على القواعد التجويدية وتطبيقها في القراءة واجب شرعي أيضًا، وليس عند المتقدمين ما يسمى واجبًا صناعيًا ولعلك تذكر أن الإمامين البركوي والطبلاوي مع المتقدمين في مذهبهم.
وأما المتأخرون فيرون أن المحافظة على هذه القواعد وتطبيقها في
التلاوة واجب صناعي يحسن فعله ويقبح تركه ولكن لا يستحق تاركه شيئًا من العقاب الأخروي.
وأن الإخلال بهذه القواعد لحن خفي لأنه يختص به القراء ولا يدركه غيرهم وممن جنح إلى هذا المذهب من المتأخرين الشيخ ملا علي القارئ. . وقد نقلنا لك عبارته في شرح الجزرية.
والحق الذي لا معدل عنه ولا يجوز الأخذ بخلافه إنما هو مذهب المتقدمين، ذلك أن هذه الكيفيات التي يُقرأ بها كتاب الله تعالى قد حفظت من قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقراءة الصحابة والتابعين واتباعهم والأئمة القراء فمن بعدهم إلى أن وصلت إلينا بطريق التواتر فهذه الكيفيات متواترة.
وقد قلنا في مبحث سابق: إن أعظم دليل على أن التجويد العملي فرض عين على جميع المكلفين أن الله تعالى أنزل القرآن إلى جبريل على هذه الكيفية وأن جبريل علمه النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الكيفية ثم تلقاه الصحابة عن الرسول وتلقاه التابعون عن الصحابة ثم تلقاه الأئمة القراء ثم تلقاه عن الأئمة أمم وطوائف جيلًا بعد جيل حتى وصل إلينا بهذه الصفة بطريق التواتر الذي يفيد القطع واليقين - إلى آخر ما قلنا هناك.
وإذا كانت هذه الكيفيات متواترة كان العمل بها والمحافظة عليها ومراعاتها في التلاوة واجبًا شرعيًا، وكان الإخلال بها والتهاون في أدائها محرمًا شرعًا يأثم فاعله. ويعاقب عليه يوم القيامة.