الصفحة 17 من 38

وقد وضع الفقهاء حلولا كثيرة للماطلة [1] فقيل: أن يقال له فلان يمطل الناس ويحبس حقوقهم أو أنت ظالم، أنت مماطل [2] ونحوه مما ليس قذفا ولا فحشا، وقيل: يجب حرمانه من التسهيلات القرضية في المستقبل، فيجعل اسمه في قائمة سوداء لا يتعامل معهم أى تاجر أو مصرف، وقيل: يعلن البنك في الصحف بأن فلانا عميله مماطل [3] ، وقيل: يحبس، قال الجصاص: واتفق الجميع على أنه لا يستحق العقوبة بالضرب، فوجب أن يكون حبسا لاتفاق الجميع على أن ما عداه من العقوبات ساقطة في أحكام الدنيا [4] ، وقيل: يدفع مبلغا من المال إلى صندوق خاص ينشئه ولى الأمر لهذا الغرض، وتصرف منه معونات للمدينين الممطولين، وقيل: يصرف للمصالح العامة؛ لأنه لا مسوغ شرعي لها، بل تمثل رادعا قويا للمماطلين، وتكون مشروطة من أول العقد بأن يستحق على المدين أن يسلم للبنك في حالة التأخر عن السداد نسبة معينة يتم صرفها في وجوه الخير بمعرفة هيئة الرقابة الشرعية للبنك [5] ، وقيل: إذا أعسر المدين في ثمن كان عقده قبل إعساره أو تفليسه فسخ العقد واسترد البائع

(1) قال فريق من الفقهاء بجواز كون التعويض مالا؛ لأنه تعويض عن المماطلة، واستدلوا بآيات الوفاء بالعقود والعهود والأمانات والنذور والأيمان وعدم أكل المال بالباطل ونفى الضرر والحرج في القرآن والسنة؛ وقاسوا ذلك على الغاصب الذي تأخر في أداء الحق عن ميعاده ـ كما في باب الوديعة ـ حيث إنه إذا طلبها صاحبها المودع فمنعها عنه الوديع أصبح كالغاصب لها، وفى التعويض مساواة بين معطى الحق ومانعه أو معجله ومؤخره، وليس في هذا تعد لحدود الله بل هو تعزير يفوض ولى الأمر فيه، واشترطوا لذلك بعض الشروط منها أن يكون الضرر الذي أصاب الدائن ماديا، وألا يكون ناتجا عن اتفاق بينهما من أول العقد وأن يكون الحساب على أساس الربح الفعلي الذي يمكن أن يحقق في المدة التي تأخر فيها المدين عن القضاء، وقيل: تقدرها المحكمة بأدنى حدود الربح العادية وتعتمد على رأى أهل الخبرة والسوق، وقد رد على ذلك الفريق القائل بأن التعويض المالي غير جائز ردا شافيا، فالقياس الذي قاسوه على الغاصب قياس مع الفارق، وكون التأخير أكلا للمال بالباطل ليس صحيحا؛ لأن القابلية المحتملة للنقود للزيادة لا تعتبر منفعة محققة أكلها المدين المماطل، كما أن العقوبات الشرعية ليس من شأنها الجبر ولا توجد مساواة بين المماطل وغيره، فالأول معرض دنيويا للذم وعدم التعامل معه وأخرويا للعقاب الشديد، أما الثاني الذي أدى الحقوق فهو معرض للثواب من الله تعالى، والأحكام الفقهية لا يؤثر في حجيتها الواقع القانوني الفاسد الذي تحياه الأمة والمتمثل في إجراءات التعارض والمرافعات وتأجيل القضايا وعدم تمكن الشاكي من أخذ حقه المسلوب، وممن قال بذلك حديثا د/الزرقا، د/الضرير، د/عبد الحميد السائح. انظر: البيع المؤجل ص 93، 94، 100، نيل الأوطار 4/ 139، الطرق الحكمية ص 62 - 65، بحوث في قضايا اقتصادية معاصرة، د/عثمان شبير وآخرون، 2/ 864 ـ 866.

(2) وتحصل المماطلة بأمرين معا: أن يطالب المستحق المدين بالوفاء، فلا يعد مماطلا ما لم يطالبه الدائن ولو كان الدين حالا؛ لأن لفظ (المطل) يشعر بتقدم الطلب إلا إذا كان هناك شرط أو عرف يقتضى أن يسدد المدين دينه في موعد استحقاقه بلا مطالبة، وأن يمتنع المدين عن أداء الدين بلا عذر فإن امتنع لعذر كالإعسار أو الغياب أو غير ذلك فليس مماطلا، فإن امتنع وماطل وهو معلوم الملاءة فإنه يحبس، وبهذا قال الفقهاء، وهو مروى عن جماعة من السلف. انظر: روضة الطالبين، للنووي، ط: المكتب الإسلامي، بيروت، 1405 هـ، 4/ 137، أحكام الدين ص 442 ـ 446.

(3) انظر: أحكام القرآن 2/ 196، تفسير الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ط: دار عالم الكتب، السعودية، 1423 هـ/ 2003 م، 6/ 3، بيع التقسيط د/رفيق المصري، ص 134.

(4) 1/ 474، وانظر: مصنف عبد الرزاق 8/ 305، الطرق الحكمية ص 62 - 65.

(5) انظر: البيع بالتقسيط د/رفيق المصري ص 144،145 البيع المؤجل ص 95، وهذا الحل أجازته مجموعة البركة في الفتاوى (44، 46، 47) ، وأجازها أبو عبد الله بن نافع (ت 186 هـ) ومحمد بن إبراهيم بن دينار (ت 18 هـ) ، وهو مشهور مذهب المالكية من أن الصدقة بيمين تلزم المدين، وقال البعض: لا تلزم؛ لأن الجبر على التطوع غير مشروع، وقيل: هو شرط تضمن مقصودا صحيحا فلا يبطل، وهو الراجح. انظر: البيع المؤجل 98 بدائع الصنائع 5/ 170، المجموع 9/ 358،327.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت