البائع - إلا إذا كان أرباب الطعام يتحكمون على المسلمين ويتعدون تعديا فاحشًا وعجز السلطان عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير، فلا بأس به ... ) [1]
كما يمكن أن نلحق بالاحتكار قضية تواطؤ البائعين أو المستهلكين، فإذا تواطأ البائعون أو التجار على سعر يحقق لهم ربحا فاحشا أو يتواطأ المستهلكون على أن يشتركوا فيما يشتريه أحدهم حتى يهضموا سلع الناس فيمتنعوا عن الشراء مؤقتا تتدخل الدولة لمنع هذا التواطؤ الذي ينطوي تحت حالة من الاحتكار الذي منع منه الشرع الإسلامي [2] ، ومن هنا منع غير واحد من العلماء ـ كأبي حنيفة وأصحابه ـ القسامين الذين يقسمون العقار وغيره بالأجرة أن يشتركوا، فإنهم إذا اشتركوا أغلوا علي الناس الأجرة، يقول ابن القيم: (قلت: كذلك ينبغي لوالي الحسبة أن يمنع مغسلي الموتى والحمالين لهم من الاشتراك؛ لما في ذلك من إغلاء الأجرة عليهم، وكذلك اشتراك كل طائفة يحتاج الناس إلى منافعهم كالشهود والدلالين وغيرهم) [3] .
وقد اتفقتالشرائع على وجوب العدل في كل شيء، فالله عز وجل أرسل الرسل وأنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، والأدلة على منع الظلم كثيرة جدا، منها قوله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) [4] ، ومنها حديث أبي بكرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام) [5] ، ولهذا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النجش وعن التصرية وعن أن يبيع المسلم على بيع أخيه المسلم وأن يشتري على شرائه وأن يسوم على سومه لما في ذلك من الظلم والاعتداء.
لكن هل يحد بقيمة معينة؟
بحث الفقهاء هذه النقطة واختلفوا فيها فذهب البعض إلى أن الربح يجب ألا يزيد عن نصف العشر [6] ، وقيل: هو ما بلغ الثلث أو زاد عنه [7] ، وقيل هو ما لا يدخل تحت تقويم المقومين، أي
(1) تبيين الحقائق 6/ 28.
(2) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية، ط: وزارةالأوقافوالشئونالإسلامية - الكويت، 11/ 306، ضوابط الربح في الفقه الإسلامي، د. شمسية بنت محمد، ط: دار النفائس، الأردن، ص 185، 186.
(3) الطرق الحكمية، لابن القيم، ط: المدني، مصر، ص 358.
(4) سورة البقرة، من الآية: 188.
(5) صحيح البخاري، 1/ 41، (3) كتاب العلم، (9) باب: قول النبي: رب مبلغ أوعى من سامع، رقم (67) .
(6) عن بعض الحنفية. انظر: البحر الرائق 7/ 169.
(7) وهو عن المالكية ورأي للشافعية. انظر: حاشية الدسوقي 3/ 114، إحياء علوم الدين، للإمام الغزالي، ط: دار المعرفة، بيروت، 2/ 79.