الصفحة 26 من 38

يرجع فيه إلى عرف التجار [1] ، وبالتالي يكون هذا المعيار مرنا وليس جامدا، وهو ما أرجحه، حيث إنه موافق لمقاصد الشارع في ترك الحرية في تقدير السعر للعرف العام للتجار لحاجة الناس إلى السلعة، وظروف جلبها وتوافرها وأهميتها بالنسبة للحياة.

ويمكن أن يكون الربح 100% إذا كانت السلعة تستحق هذا المبلغ كاملا، أو تزيد عن مثيلاتها في القيمة أو الندرة أو غير ذلك مما يعرفه التجار، وقد ورد عن عروة البارقى أن النبي صلى الله عليه و سلم أعطاه دينارا يشتري له به شاة فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار وجاءه بدينار وشاة فدعا له بالبركة في بيعه وكان لو اشترى التراب لربح فيه [2] ، وقد باع عبدالله بن الزبير أرضا اشتراها أبوه بتسعة أضعاف الثمن ولم ينكر عيه أحد ذلك [3] .

ولعل السر في عدم تحديد الإسلام للربح تحقيق العدالة فهناك سلعة ترج بسرعة وأخرى تروج ببطء، وهناك سلعة تباع بثمن حال وأخرى بثمن مؤجل، وهناك سلعة ضرورية وأخرى كمالية، وهناك سلعة تنال بسهولة وأخرى تنال بمشقة، وهناك سلعة لا يدخلها تعديل وأخرى يدخلها تعديل وغير ذلك من الفوارق التي تراعى عند البيع ويتحدد من خلالها الربح، بل أجاز الإسلام للمرء أن يبيع بضاعته بربح معين لفرد ما، ثم له أن يزيد وينقص هذا الربح، فيكون للمبيع الواحد ثمنان أو أكثر، طالما أن بعيد عن الغرر والغبن الفاحش الذي يحرم الربح.

الضابط الرابع: ألا يفرد الربح مستقلا:

يرى أكثر الفقهاء المعاصرين المنع من إفراد الربح عن الثمن الأصلي؛ لأنه يشعر بأن هذه الزيادة خارجة عن قيمة المبيع وجاءت في مقابل الأجل، وذلك الربا المحرم، كما أن استقلال الربح يشعر بأن السلعة لها ثمن والأجل له ثمن وهذا الإفراد ذريعة إلى الربا، وقيل: لا حرج في ذلك؛ لأنه لا فرق بين الصورتين ولا وجه للمحاذير السابقة؛ لأن ثمن المبيع ثابت وبات، فإفراد الزيادة في مرحلة المساومة قبل انعقاد العقد، وإفراد الربح له صور منها:

1 -أن يكون الثمن الذى وقع عليه العقد هو الحالى في ذمة المشترى والزيادة في مقابل الأجل، وهذا حرام بالإجماع.

2 -أن تكون إفراد الزيادة في مرحلة المساومة لبيان الثمن النقدي، ويتم العقد بذكر ثمن واحد بات، ولا مانع من ذلك.

(1) وهو رأي الحنفية في ظاهر الرواية، ورأي للمالكية، والحنابلة على الصحيح من المذهب، والظاهرية. انظر: الربح في الفقه الإسلامي، د/شمسية بنت محمد، ص 111 ـ 114.

(2) صحيح البخاري، 2/ 539، (65) كتاب: المناقب، حديث رقم: 3642.

(3) السنن الكبرى للبيهقي، 6/ 286، (35) كتاب الوصايا، (41) باب: من احتاط فأوصى بقضاء دينه، برقم: 13057.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت