الصفحة 11 من 38

غررا أن بقاء العين على الصفة التي تم العقد عليها إلى حين تسليمها غير معلوم، فلا يدرى البائع هل يبقى الثمن على حاله حتى يتم تسليمه أم يتغير بهلاك أو فساد [1] ، فمن خصائص الدين قبوله التأجيل بخلاف العين، فإنها لا تقبل التأجيل كما صرح الفقهاء، وعللوا ذلك بقولهم: إن الأجل شرع رفقا للتحصيل، فيناسب الدين والعين حاصلة، فلا فائدة من تأجيلها، واستثنوا من ذلك رأس مال السلم وبدل الصرف وبدل القرض [2] .

الضابط الرابع: أن يكون الثمن لسلعة معلومة يقدر على تسليمها وتسلمها:

اتفق الفقهاء [3] على أن ثمن المعدوم حرام شرعا، حيث إن الشيء المعدوم الذي يستحيل وجوده ـ أو ما له خطر العدم ـ لا يصلح أن يكون محلا للعقد، سواء كان عينًا أو منفعة، كما إذا تعاقد شخص مع طبيب على علاج مريض ميت؛ فإن الميت لا يصلح أن يكون محلا للعلاج، أو كما لو تعاقد شخص مع عامل على حصاد زرعه الذي احترق كله، جاء في بدائع الصنائع: (وأما الذي يرجع إلى المعقود عليه فأنواع منها: أن يكون موجودًا، فلا ينعقد بيع المعدوم، وما له خطر العدم، كبيع نتاج النتاج، فإن قال: بعت ولد ولد هذه الناقة، وكذا بيع الحمل؛ لأنه إن باع الولد فهو بيع المعدوم، وإن باع الحمل فله خطر العدم، وكذا بيع اللبن في الضرع؛ لأن له خطر احتمال انتفاخ الضرع، وكذا بيع الثمر والزرع قبل ظهوره؛ لأنه معدوم) [4] ، وجاء في كتاب: الاستذكار: (لا يجوز بيع الآبق [5] ، ولا الحمل، ولا النتاج [6] ، ولا الطير في الهواء، ولا ما في بطون الإناث [7] ؛ لأنه غرر [8] وخطر

(1) أحكام الدين، ص 70.

(2) بيع الدين، صوره وأحكامه، د/محمد كامل عفيفى، مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية الكويت، العدد 35، أغسطس 1998 م، ص 297.

(3) انظر: بدائع الصنائع 5/ 138، 139، بداية المجتهد 2/ 303، المجموع شرح المهذب للنووي، ط: مكتبة الإرشاد، السعودية 9/ 269، المغني، ط: دار الحديث، مصر 5/ 79.

(4) انظر: بدائع الصنائع 5/ 138، 139. وقد قاس بعض العلماء السلعة الغائبة على السلعة المعدومة، وفي هذا تشدد، والراجح أنه إن كانت السلعة غائبة ويقدر على تسليمها وتسلمها، وكانت لا تتغير بسرعة ومأمونة فإن بيعها جائز، وإنما منعت العين الغائبة غير مأمونة التغير لترددها بين السلفية والثمنية، لأنه إن سلمت العين إلى الأجل وكانت على الصفة كان بيعا، وإن لم تسلم أو لم تكن على الصفة رد المشتري رأس المال فكان سلفا، فلما اجتمع فيه هذان الوجهان من الغرر لم يجز. انظر: أحكام العلم بالمبيع وتطبيقاته في ضوء وسائل التكنولوجيا المعاصرة، د/ ممدوح محمد على، دكتوراه، حقوق القاهرة، ص 370، 371.

(5) الآبق هو: الهارب أو الشارد من كل شيء، وغالبا ما تستخدم في إباق العبيد، وهو من الكبائر. انظر: لسان العرب 10/ 3.

(6) النتاج ـ بكسر النون وفتحها ـ: مصدر نتجت الناقة بالبناء للمفعول، وهو: المنتوج، كما فسره الزيلعى والرازي.

انظر: رد المحتارط: دارالفكرللطباعةوالنشر.1421 هـ - 2000 م. 5/ 53.

(7) ما في بطون الإناث هي: الملاقيح والمضامين، وهى ما تتضمنه بطون الإناث من النطف. انظر: لسان العرب 2/ 579.

(8) الغرر لغة يطلق على معان منها: النقصان والخطر والتعرض للتهلكة والجهل، واصطلاحا: مالا يعرف حصوله، أو لا يعرف حقيقته ومقداره، وقيل: هو ما يكون مستور العاقبة، وقيل: هو ما تردد بين السلامة والعطب، وقيل: هو الجهل الكثير بعين المقصود من المعاوضات المالية أو بحصوله بلا حاجة. انظر: قاعدة الغرر، دراسة تأصيلية، د/عبد الله السكاكر، مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، الكويت، العدد (69) ، 2007 م، ص 171، 172، التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل 4/ 362.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت