فقد فسر أكثر العلماء الحديث بالتفسير السابق ولكن بافتراق المتبايعين على الإبهام بين السعرين، كأن يقول البائع: بعتك هذه الحاجة نقدًا بألف دينار ونسيئة بألف ومائتي دينار لمدة سنة، ويفترقان دون تحديد أحد البيعين وأحد السعرين، فهذا البيع فاسد عند جمهور الفقهاء لجهالة الثمن لا لحرمة البيع نسيئة بأعلى من سعر يومه، فقد نقل ابن الرفعة عن القاضي أن المسالة مفروضة على أن المشتري قبل على الإبهام، أما لو قال قبلت بألف نقدًا أو قال قبلت بألف ومائتين نسيئة صح البيع [1] ، وقال الكاساني ـ وهو بصدد بيان البيوع الفاسدة ـ: وكذا إذا قال: بعتك هذا العبد بألف درهم إلى سنة أو بألف وخمسمائة درهم إلى سنتين؛ لأن الثمن مجهول [2] ، قال السرخسى: وإذا عقد العقد على أنه آجل كذا بكذا وبالنقد كذا بكذا فهو فاسد مالم يعطه على ثمن معلوم، وإن تراضيا بينهما وافترقا على ثمن معلوم فهو جائز [3] ، وقال ابن قدامة: وقد روي في تفسير بيعتين في بيعة وجه آخر، وهو أن يقول بعتك هذا بعشرة نقدًا وبخمسة عشر نسيئة، هكذا فسره مالك والثوري وإسحاق وهو باطل عند الجمهور، لأنه لم يجزم له ببيع واحد فأشبه ما لو قال: بعتك هذا وهذا؛ ولأن الثمن مجهول [4] .
وعلة النهي عن هذا البيع ما يأتي:
1 -الجهالة بالثمن، وهذا يتحقق فيما إذا افترق المتعاقدان دون أن يحدد أحد البيعتين وثمن المبيع المتعاقد عليه، فأشبه في هذه الناحية البيع بالرقم المجهول.
2 -عدم الجزم في بيع واحد، فأشبه ما لو قال: بعتك هذا أو هذا.
3 -ولأن أحد العوضين غير معين ولا معلوم فلم يصح [5] .
فإذا عرف لدى المتبايعين ثمن للبيع حالّ وثمن له مؤجل هو أكثر من الثمن الحالّ ثم تراضيا على إحدى الحالتين والثمن المعين فيها جاز.
(1) نيلالأوطار 5/ 162.
(2) بدائعالصنائع 5/ 158.
(3) المبسوط، ط: دارالفكرللطباعةوالنشروالتوزيع، بيروت، لبنان، الأولى، 1421 هـ 2000 م،13/ 13.وانظر: حاشية الدسوقي، ط: دار الفكر، بيروت 3/ 58.
(4) المغني 4/ 161.
(5) المرجع السابق 4/ 161.