تداخل، وكذلك المعنويان ويحددهما أهل البصائر والقلوب.
والعرب تكني بالقلب عن العقل: فيقولون: قد دل قلبه على الشيء، يريدون عقله، قلت: ليس هذا بسديد؛ لأن دلالة القلب تكون من غير وسائط ولا وسائل ولا أمارات أحيانًا وليس ذلك للعقل، وربما كنَّوا بالفؤاد عن العقل والقلب، قلت: وذلك لأن الفؤاد مركز أحاسيس القلب [1] .
وخلاصة القول: أن العرب تطلق القلب على قلب الإنسان وغيره وتجعل له قلبًا ماديًا وهو المضغة المعلقة بالنياط، وقلبًا معنويًا لم يحدّدوا مكانه وإنما يسمى العقل أحيانًا والروح والفؤاد. وحديث أهل اللغة غالبًا منصب على القلب المعنوي، والقلب يطلق على معان متقاربة:
1.الخالص من كل شيء.
2.الشريف والأشرف من كل شيء.
3.اللباب من كل شيء.
4.المحض من كل شيء الذي لا تشوبه شائبة.
5.الوسط من كل شيء.
ويطلق القلب على رد الشيء وتحويله أوله على آخره وآخره على أوله، وبطنه لظهره وظهره لبطنه، ويطلق على رد الإنسان عن وجهه الذي يريد، وتغيير الأمر عما كان عليه. فمن أي هذه المعاني اشتق معنى القلب المعنوي للإنسان؟ اختلف العلماء على قولين:
الأول: أنه مشتق من خالص الشيء وأشرفه؛ لأن القلب أشرف ما في الإنسان.
الثاني: أنه مشتق من التقلب والتحول؛ إذ أنه لا يثبت على حال، وإنما هو دائم التقلب.
والأصح لدى الباحث أن القلب مشتق من جملة هذه المعاني وذلك لأن القلب وسط الإنسان ولبابه وأشرف عضو فيه، وهو موطن الإخلاص والصفاء؛ هذا بالنظر إلى أصله ومعدنه، أما بالنظر إلى ما يطرأ عليه من الأحوال والخواطر فهو في تقلب وتغير وتحول مستمر حتى لا يكاد يقرّ له قرار ولا يهدأ له بال، والمعصوم من عصمه الله والمحفوظ من حفظه الله.
عند أهل الغريب والمعاني: لم يتعرض علماء الغريب إلى تعريف القلب وبيان حقيقته، وإنما ذكروا مصدر اشتقاقه وأنه من التقلّب لكثرة تقلبه، لأن قلبَ الشيء تصريفه عن وجهه إلى وجه آخر، وسبق أن ذكرنا أن مصدر
(1) - مقاييس اللغة 5/ 17 - 18، المجمل 3/ 730، الصحاح 1/ 204 - 206، الأساس: 374، الزاهر 1/ 334، 2/ 385 - 386، اللسان 3/ 144 - 146، تاج العروس 4/ 68 - 79، القاموس 1/ 123 - 124، المثلث - لابن السيد 2/ 374 - 375، مادة (قلب) ، عمدة الحفاظ: 464 - 465.