الحيرة ومدائن كسرى - فأبشروا بالنصر) فاستبشر المسلمون، وقالوا: الحمد لله! موعد صادق! إذ وعدنا بالنصر بعد الحصر، فطلعت الأحزاب فقال المؤمنون - هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ... الآية - [1] . وقد مر في أسباب نزول الآية الثانية عشرة من الأحزاب أن نحوًا من هذا القول قيل أثناء ضرب النبيّ - صخرة اعترضت المسلمين في الخندق.
وعن ابن عباس - قال: (قال النبيّ - لأصحابه: - إنّ الأحزاب سائرون إليكم تسعًا أو عشرًا) ؛ أي: في آخر تسع ليال أو عشر، فلمّا رأوهم قد أقبلوا للميعاد قالوا ذلك) [2] . فأعلمهم النبيّ - بقدوم الأحزاب، وأنهم سيحاصرونهم، وأمرهم بالاستعداد لذلك، وأعلمهم أنهم سينصرون من بعد ذلك، فلمّا رأوا الأحزاب: - قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ - فسلّموا لأول الأمر، وانتظروا آخره؛ وعلموا أن الغلبة والنصر قد وجبت لهم [3] . وقال: (سيشتد الأمر باجتماع الأحزاب عليكم، والعاقبة لكم) [4] ، فلما رأى المؤمنون الكاملون جموع الأحزاب من قريش وغيرها، الذين أدهشت رؤيتهم القلوب، وزعزعت النفوس، وتزلزلت العقول، وتعاظمت الأحوال، قالوا رغم كل ذلك: - هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ - [5] .
الوجه الثالث - الوعد بفتح فارس والروم وغيرهما: وذلك أن الرسول - أعلمهم أن الله - سيفتح عليهم فارس والروم واليمن والحبشة، كما مر في أسباب نزول الآية السابقة.
الوجه الرابع - الوعد: جميع ما وعد الله ورسوله: قال ابن عطية: (ويحتمل أن يكون المؤمنون نظروا في هذه الآية، وفي قول رسول الله - عند أمرهم بحفر الخندق، وأشاروا بالوعد إلى جميع ذلك، وهي مقالتان: إحداهما من الله والأخرى من رسوله) [6] .
الوجه الخامس - رأي وترجيح: الذي يبدو للباحث أن هذه الأسباب مجتمعة كانت يوم نزول الآية، فكلها صحيحة المعنى، فالمسلمون موعودون بالبأساء والضراء، وموعودون بالنصر والظفر عمومًا، وموعودون بقدوم الأحزاب وانهزامهم، وموعودون بفتح فارس والروم واليمن والحبشة وغير ذلك؛ فكلها مجتمعة تصلح أن تكون سببًا أكمل لنُزول الآية.
(1) - النكت والعيون 4/ 385، الجامع لأحكام القرآن 14/ 203.
(2) - الكشاف 3/ 531، مدارك التنْزيل 3/ 1367، تبصير الرحمن 2/ 156.
(3) - المحرر الوجيز 4/ 377، مدارك التنْزيل 3/ 1367.
(4) - أنوار التنْزيل 2/ 243.
(5) - نظم الدرر 6/ 92، تبصير الرحمن 2/ 156.
(6) - المحرر الوجيز 4/ 377.