فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 45

السير إلى الأمام لتناسي الماضي والحاضر، لتناسي الآلام والجراح، لتناسي الهموم؛ إن هذا الدين سيعلوا وسينتصر على جميع ما حوله من الأديان والسلطان، وستكون الغلبة والسلطان والدولة والملك لأهل هذا الدين، فهو - يريهم أنوار المنح الإلهية في ظلمات المحن والبلاء، هناك تتألق النفوس المؤمنة بوعد ربها ووعد رسولها، وتضطرب القلوب المريضة ويساورها القلق في نظرها إلى الوعود والواقع، لأن قلوبهم لم تتذوق أنوار الوحي، ولم تتفاعل مع معطيات الرسالة، فرأوا أن ما هم فيه هو الغالب، وأن هذه الوعود محض خيال ليس له من الواقع نصيب، فتطاولت ألسنتهم بالتشكيك والتشويه والتشهير!

1.أن ذلك على معنى التشبيه البليغ، وهو التشبيه الذي يحذف فيه وجه الشبه وأداة التشبيه، وسموه بليغًا لما فيه من اختصار من جهة، وما فيه من تصوّر وتخيّل من جهة أخرى؛ لأن وجه الشبه إذا حذف ذهب الظن فيه كل مذهب، وانفتح باب التأويل، وذلك مما يكسب التشبيه قوة وروعة وتأثيرًا [1] فيكون التقدير: ما وعدكم الله ورسوله إلا كما يعدكم الغرور، ولما كان وعد الغرور باطلًا لأن إظهار الشيء المكروه بصورة المحبوب كان ما وعد الله ورسوله باطلًا.

2.أنهم لجهلهم بالله ورسوله يجوزون أن يغرّ الله - عباده، وأن يغرّ رسول الله أتباعه!

3.أنهم قالوا ذلك على جهة الاستخفاف والاستهزاء والتهكّم [2] .

الفرع الرابع - لقد وجد أولئك المنافقون في الكرب المزلزل والشدّة الآخذة بالخناق فرصة للكشف عن خبيئة نفوسهم وهم آمنون من أن يلومهم أحد، وفرصة للتوهين والتخذيل والتشكيل وبث الريبة في وعد الله - ووعد رسوله -، وهم مطمئنون أن لا يؤاخذهم أو يأخذهم أحد بما يقولون، فالواقع بظاهره يصدّقهم في التوهين والتشكيل فالهول قد أزاح عنهم ذلك الستار الرقيق من التجمل، وروّع نفوسًا ترويقًا لا يثبت له إيمانهم المهلهل: فجهروا بحقيقة ما يشعرون غير مبقين ولا متجملين! ومثل هؤلاء المنافقين والمرجفين ليسوا حكرًا على تلك الفترة من الزمان وإنما هم قائمون، وربما هم قائمون في كل جماعة، وموقفهم في الشدة هو موقف إخوانهم هؤلاء، فهم نموذج مكرر في الأجيال والجماعات على مدار الزمان، فهي صوره من صور النفاق في

(1) - معجم المصطلحات البلاغية 2/ 180.

(2) - التحرير والتنوير 21/ 284.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت