وقضوا وهم على ذلك، قال الله: - مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ - [الأحزاب: 23] [1] .
2.لما كان كل من آمن بالله ورسوله قد باع نفسه وماله لله -؛ لأن الله - قد اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، وكان بعض الراسخين في الإيمان لم يعط الإيمان حقه في القتال في نفسه وماله، كما فعل ذلك أكابر الصحابة أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وغيرهم -، أراد الله - جل جلاله - التنويه بذكر أولئك الأكابر والثناء عليهم توفية لحقهم، وترغيبًا لغيرهم، فقال: - مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ - [الأحزاب: 23] [2]
3.بعد أن ذكر الله - قول المؤمنين الكاملين في الإيمان عندما رأوا موعود الله ورسوله، ذكر آخرين زادوا عليهم بأمور، فقال: - مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا - [الأحزاب: 23] [3] .
4.لما ذكر الله - أن المنافقين قد نقضوا العهد الذي كانوا عاهدوا الله عليه من قبل لا يولون الأدبار، وصف المؤمنين أنهم استمروا على العهد، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه [4] .
الفرع الأول - كان النبيّ - قد أخبر بمسير الأحزاب إلى المدينة المنورة لاستئصال المسلمين فيها، وأخبرهم أنهم لن ينالوا من المؤمنين شيئًا، فلما رأى المؤمنون جموع الأحزاب صدّقوا وأيقنوا، وقالوا: - هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ - وما زادهم النظر إلى الأحزاب إلا إيمانًا واستسلامًا لله - - [5] .
الفرع الثاني - قوله: - وَمَا زَادَهُمْ إِلاّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا - فيه أقوال:
1.قال الحسن البصري:(ما زادهم البلاء إلا إيمانًا بالربّ، وتسليمًا
للقضاء) [6] . ما زادتهم المحنة والبلاء إلا إيمانًا بالله - وبمواعيده، وتسليمًا لقضائه وقدره.
2.قال السمرقندي: لم يزدهم الجهد والبلاء إلا تصديقًا لقول النبيّ - وجرأة، وتسليمًا؛ يعني: تواضعًا لأمر النبيّ - [7] .
(1) - المحرر الوجيز 4/ 377 - 378.
(2) - نظم الدرر 6/ 92 - 93.
(3) - تبصير الرحمن 2/ 156، روح المعاني 21/ 169 - 170، التحرير والتنوير 21/ 306 - 307.
(4) - تفسير القرآن العظيم 3/ 457.
(5) - معاني القرآن - الفراء 2/ 340.
(6) - الدر المنثور 6/ 585، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، النكت والعيون 4/ 389، الكشاف 3/ 531، مدارك التنْزيل 3/ 1367، أنوار التنْزيل 2/ 243، الجامع لأحكام القرآن 14/ 103.
(7) - بحر العلوم 3/ 44.