فالأصل شرعًا، أن للميت حرمة كحرمته حيًا، مما يقتضي عدم المساس بحرمة جثته أو التمثيل بها، مراعاة للأحكام الشرعية التي تحرم هذا المساس ولمشاعر الأحياء من أقاربه وذويه. فلا يتعدى عليه بشق أو كسر أو غير ذلك، ويلزم من ينتهك حرمة الميت بضمان حق أسرته في حرمته [507] . وقال بعض الفقهاء بوجوب القصاص على من جرح ميتًا أو كسر عظمه، أو قام باستئصال عضو من جثته دون مسوغ شرعي، وذلك لعدم تعلق أحكام القصاص بالحي فقط [508] .
وقد ورد في هذا الشأن، الحديث النبوي الشريف: إن كسر عظم الميت ككسره حيًا [509] . فهو يدل دلالة واضحة على تحريم كسر عظام الميت، وعلى حظر إتلافه أو إحراقه، وضرورة تكريمه وعدم إهانته [510] . الأمر الذي اقتضى شرعًا حرمة نبش القبور، والتمثيل بالجثث، وهشم عظام الموتى إلا لضرورة شرعية أو لمصلحة راجحة، لما روي عن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: سارق أمواتنا كسارق أحيائنا [511] . ولما روى البيهقي عن الشعبي: النباش سارق [512] . ولما روى أيضًا عن الإمام مالك رحمه الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن المختفي (يعني نباش القبور) [513] . وهو ما يستفاد منه أن حرمة المؤمن باقية كما كانت في حياته، ولذلك كان بعض السلف يتحرج من أن يحفر له في مقبرة يكثر الدفن فيها [514] .