أما الحالة الأولى، فهي أن يمتنع الطبيب عن استخدام أجهزة الإنعاش الصناعي لمريض معرض لخطر الموت، وهنا يكون قد ارتكب جريمة الامتناع عن مساعدة شخص في خطر المعاقب عليها قانونًا. فإذا كان المريض هو الذي طلب ذلك، وامتنع الطبيب عن استخدام هذه الوسائل الطبية، نكون بصدد قتل بدافع الشفقة بطريق الامتناع السلبي [316] . وأما الحالة الثانية، أن يوقف الطبيب أو غيره أجهزة الإنعاش الصناعي رأفةً بالمريض مما يؤدي إلى وفاته، وذلك عن طريق نزعها بفعل إيجابي. فهنا ندخل في حالة القتل بدافع الرأفة الإيجابي [317] . وإيقاف عمل هذه الأجهزة بعد توقف القلب والجهاز التنفسي، مع استمرار خلايا المخ يعد إنهاء لحياة إنسان ما زال على قيد الحياة ما دامت خلايا مخه ما تزال حية [318] . أما إيقاف عمل هذه الأجهزة بعد موت خلايا المخ فلا يعد إنهاء لحياة إنسان، وذلك لأن الشخص بموت خلايا مخه يكون قد فارق الحياة فعلًا [319] .
46 -وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن المريض المشرف على الهلاك، يكون إنقاذه أمرًا واجبًا من الناحية الشرعية، فهو كالجائع في البيداء يتضور جوعًا، وأمامه شخص معه فضل زاد، فإن الأخير يعد آثمًا إذا تركه حتى مات جوعًا [320] . لقوله صلى الله عليه وسلم (( أيما أهل عرصة أصبح فيه امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله ) ) [321] .
وقوله عليه الصلاة والسلام (( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع رجلًا بسلعة بعد العصر فحلف له لأخذها بكذا وكذا فصدقه وهو على غير ذلك، ورجل بايع إمامًا لا يبايعه منها إلا الدنيا، فإن أعطاه منها وفّى، وإن لم يعطه منها لم يف ) ) [322] .