5 -الموت هو اللحظة الحاسمة القاسية التي يغادر فيها الإنسان الدنيا ويستقبل الآخرة لقوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [6] وتقديم لفظ الموت على الحياة في الآية الكريمة هو لأنه أهيب في النفوس وأفزع [7] ، وكذا لذكره والاستعداد له وللإشعار بأن الموت هو بدء الحياة الحقة العليا لا الحياة الدنيا [8] . فالموت ليس نهاية المطاف، بل هو مقدمة إلى حياة أبقى وأفضل [9] ، وهذا لقوله سبحانه: {قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [10] ، وقوله عز وجل: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} [11] ، أي قضينا وحكّمنا عليكم الموت وساوينا بينكم فيه، سواء فيه الشريف والوضيع والأمير والصعلوك وما نحن بعاجزين [12] .
6 -والموت لغة هو السكون، وكل ما سكن فقد مات [13] ، وهو أيضًا ما لا روح فيه [14] . والموت والحياة نقيضان، لا يجتمعان في آن واحد، لأن الموت صفة وجودية خلقت ضد الحياة [15] ، يزول به قوة الإحساس والنماء والتعقل [16] ، فهو مفارقة الروح البدن لعدم صلاحية البدن لاحتوائها [17] . فالموت شرعًا هو خروج الروح من الجسد، أو مفارقة الحياة للإنسان مفارقة تامة، بحيث تتوقف كل الأعضاء بعدها توقفًا تامًا عن أداء وظائفها، والذي يحدد ذلك هم الأطباء [18] . والكل يموت لا فرق بين نفس ونفس في تذوق جرعة مفارقة الحياة عن طريق مفارقة الروح للجسد [19] ، لقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [20] . إنما الفارق في شيء آخر وفي قيمة أخرى، في المصير المحتوم الذي يستحق أن يحسب له ألف حساب، لقوله عز وجل: {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [21] .