فالمثلة ليست مجرد أخذ العضو من الميت بقصد تحصيل حق أو حماية حق، وإنما المثلة شرعًا هي أخذ العضو من الجثة بغرض التشنيع والتشويه والعبث والتعدي على حرمة الميت [688] . فإذا مات المتوفى، وهو الموصي بالعضو مصرًا على وصيته، تمت الوصية ولزمت شرعًا، إذ إنه ليس هناك نص خاص يمنع شرعًا التداوي بأجزاء الميت [689] . وقد ذهب الفقهاء القدماء في الفقه الإسلامي إلى أنه لا يجوز شرعًا التصرف في أجزاء الجثة، لكون جثة الإنسان ليست مالًا، فلا تجوز محلًا للوصية التي يشترط في محلها أن يكون مالًا أو حقًا ماليًا مملوكًا لشخص يمكن أن ينتقل إلى ورثته [690] . إن جسم الإنسان ليس تركة، فلا يدخل في دائرة الأموال أو المنافع أو الحقوق، فهو لا يُعد مالًا متقومًا من حيث الأصل. ومن ثم فإنه لا يجوز الإيصاء به ولا ببعض أجزائه، وذلك لأنه لا يعد من الحقوق المالية، فلا يصح محلًا للمعاملات المالية، ولا التصرف بأي جزء منه [691] . لقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [692] .
111 -وقال الفقه المعاصر بأن الوصية بالمنافع جائزة شرعًا، ومنها الوصية بالانتفاع بجثة الميت أو بعضو من أعضائه للحاجة التي يبيحها الشرع [693] . فإن تنازل الميت عن جثته لكليات الطب لأغراض علمية وطبية، وكذا تنازله عن عضو من أعضائه لمريض محتاج لأغراض علاجية، هي تصرفات إنسانية وأخلاقية ذات قيمة اجتماعية مؤكدة لا تتعارض مع أحكام الشرع [694] . وهي أيضًا لا تتعارض مع النظام العام أو الأخلاق العامة [695] .