عند وصف شيء من القرآن بها لها معنيان اثنان:
الأول: أنها فَضلةٌ يستغنى عنها بالكلام.
والثاني: أنها فَضلة ٌيستقيمُ الكلام بدونها.
ولا ريب أن الذي ينبغي حملُ هذا اللفظ عليه هو الثاني دون الأول, لأن الاستغناء ممتنع, فإنه لا يُدْخلُ لفظٌ في القرآن الكريم إلا وله معنى يُفتقر إلى وجود هذا اللفظ لبيانه, وأما التعبير: باستقامة الكلام بدونه, فهذا سائغ, لكن الأولى عند المحققين هو العدول عن تسمية شيء من القرآن بالزائد, لئلا يتوهم المعنى الباطل, فلا يقال في القرآن: (زائدٌ) . كما اختاره ابن هشام الأنصاري, والزركشي في آخرين, وإنما يقال: (صلةٌ) , فما جيء به في آي القرآن ونُزّل في غيره منزلةَ الزائد فإنه يقال في القرآن: صلة. ولا يقال: زائد. فيقال هنا مثلًا و (ما) صلةٌ لتوكيد, ولا يؤتى بشيء زائد إلا لتأكيد معنى, كقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى/11] , فإن الكاف هنا (صلة) لتأكيد نفي المثليّة.
ثم بين الشارح رحمه الله تعالى معنى قوله تعالى: {فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} , قال: أي: لا يضل في علمه, ولا يشقي في عمله. وهذا المعنى معدولٌ عنه, لأن القرآن الكريم قد أخبر عنه هذا اللفظ في مواضع عدة كقوله سبحانه وتعالى: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} [النجم/2] , فجعل الضلال مقابلًا للغيّ, وإذا أطلق الضلال مقابلًا الغي, فإن الضلال حينئذٍ مُتعلقه العلم, والغيّ متعلقه العمل, واختار هذا ابن القيم رحمه الله تعالى؛ وحينئذٍ لا يقال هنا: إن الضلال في العلم, والشقاء في العمل. لأن الخبر عن هذا المعنى جاء في القرآن مما ذكرنا, وقيل: لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. وهذا أقوى وكأنه هو المعنى المراد في الآية, بأن يكون {فَلا يَضِلُّ} في مُبتداه وإرادته -ومحلها الدنيا-, ولا يشقى في مآله وغايته -ومحلها الآخرة-؛ واختار هذا الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى, وتدل على