فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 215

تكون للمخلوق، وليس صحيحًا أن الآية تدل على ما قالوا. وتارة يحرفون الكلم فيقولون: إن المراد باليد: القدرة أو النعمة. فهم يثبون هذا لكن يحرفونه، فتارة يحملون اللفظ، ما لا يحتمله, وتارة يصرفونه عن معناه.

ومن هذا ما وقع أخيرًا من أولئك الذين فسروا القرآن بما يسمي بالإعجاز العلمي، حيث كانوا يحمِّلون القرآن أحيانًا ما لا يتحمل، صحيح أن لهم استنباطات جيدة تدل على أن القرآن حق ومن الله عز وجل، وتنفع في دعوة غير المسلمين إلي الإسلام ممن يعتمدون على الأدلة الحسية في تصحيح ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام, لكنهم أحيانًا يحملون القرآن ما لا يتحمله، مثل قولهم: إن قوله تعالي: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} [الرحمن:33] , إن هذا يعني الوصول إلى القمر وإلى النجوم وما أشبه ذلك, لأن الله قال: {لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} , والسلطان عندهم العلم. وهذا لا شك أنه تحريف، وأنه حرام أن يفسر كلام الله بهذا، لأن من تدبر الآية وجدها تتحدث عن يوم القيامة، والسياق كله يدل على هذا. ثم إنه يقول: {أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا} , وهؤلاء ما نفذوا من أقطار السموات, بل ما وصلوا إلي السماء, وأيضًا يقول: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ} , وهؤلاء لم يرسل عليهم.

والحاصل أن من الناس من يتجاوز ويغلو في إثبات أشياء من القرآن ما دل عليها القرآن، ومنهم من يفرط وينفي أشياء دل عليها القرآن, لكن يقول هذا ما قاله العلماء السابقون ولا نقبله. لا صرفًا ولا عدلًا, وهذا خطأ أيضًا، فإذا دل القرآن على ما دل عليه العلم الآن من دقائق المخلوقات, فلا مانع من أن نقبله وأن نصدق به إذا كان اللفظ يحتمله، أما إذا كان اللفظ لا يحتمله فلا يمكن أن نقول به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت