والمراد بهذين النوعين: ما يوصل إلى فهم القرآن, فإن فهم القرآن تارة يُوصلُ إليه"بنقل عن معصوم", وتارة يوصل إليه"بدلليل معلوم".
الأول مرده"النقل", الثاني مرده إلى"العقل".
وكل سبيل من هذين السبيلين, لا يخلو من شائبة تكر صفوه, فإن النقل تدخله المكذوبات؛ وإن العقل تطرأ عليه الاضطرابات.
فالمنقول يعتريه وهم الرواة, وكذب النقلة, والمعقول يتكدر باختلاف مدارك الناس وسوء إعمالهم لهذه القوة المدركة, بما يلحقهم من شهوات وشبهات, فلا يسلم هذا ولا ذاك مما يكدر صفوه, لكن إذا عرف الإنسان أن النقل والعقل سبيلان مفضيان إلى معرفة معاني القرآن, اعتنى بفهم مآخذهما ومعرفة مداركهما المفضيةِ إلى الاطلاع إلى تفسير القرآن الكريم.
ثم بين الشارح رحمه الله تعالى أن المقصود من أعمال هذين الدليلين -أعني النقلي والعقلي- مما يفسر به القرآن, هو معرفة الحق في تفسير القرآن, وتميز الباطل, والتنبيه على الدليل الفاصل بين الأقاويل, فإن الأقاويل في تفسير الآي تتعدد, وإذا أُعمل النقل والعقل على الوجه الصحيح, أعان ذلك على فهم القرآن, كما ينبغي, ولهذا أمرنا الله سبحانه وتعالى بتدبر القرآن كما قال تعالى: {لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ} [ص/29] , وقال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد/24] , وقال: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء/82] .
وذكر الشارح رحمه الله تعالى: أن الله أمرنا بالتفكر في كثير من آي القرآن الكريم. وهذا فيه نظر, فإن الله سبحانه وتعالى لم يأمر قط بالتفكر في آيات الكتاب, وإنما أمر بالتدبر, أما التفكر فإن محله هو الآيات الكونية, كما قال تعالى: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران/191] , في مواضع أخرى, فالتفكر والتدبر في