القدرة على إعطاء الأشياء أحكامها وتقديم بيانٍ مفصلٍ فيها، وذلك بأخذ موضوع البحث حكم مثله الكتابي، بذلك حكم الكتاب على كل شيء دون استثناء، وقدّم بيانا مفصلا فيه.
ولم يكن القرآن فريدا في اعتماده على المثل، فهذه سمة كل الكتب السماوية، فقد ضرب الله الأمثال للبشرية من قبل: (وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لعلهم يتذكرون) [1] ، ويصرح القرآن باعتماد الخطاب السماوي على تقنية ضرب الأمثال في صريح قوله تعالى: (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا * وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا) [2]
ولتأكيد طبيعة خطابات الكتب المتقدمة في اعتمادها على الأمثال و تصريفها، يقتبس القرآن بعض من خطاب التوراة و الإنجيل، في قوله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) [3] . و هذا يكشف عن أن هوية الخطاب السماوي هي واحدة، بحيث يمكن استنطاق احدها ليكشف عما وجد في الآخر، ويمكن اعتماد بعضها في تفسير بعضها الآخر.
فمثلا، هذا الخطاب التوراتي و الإنجيلي، يثبت هذه الفكرة، فهذا الخطاب يعرف مؤازرة الأنصار للرسول صلى الله عليه وسلم، بمثابة الزرع
(1) - إبراهيم 24
(2) - الفرقان 38 - 39
(3) - الفتح 29