وقد كان المشركون معترفين بهذه الحقيقة، اعترافا نطقت به ألسنتهم، فاحتج سبحانه بهذه الاعتراف على ضلال مسلكهم في عبادتهم غيره، وتوجههم إلى سواه، قال تعالى: {قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون * قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون} [1]
وقال تعالى: {ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون} [2] .
ذلك أن المنطق العقلي يقتضي أن تصرف العبادة إلى الخالق الرازق، الذي بيده مقاليد الأمور، أما صرفها إلى من لا يملك لنفسه - فضلا عن غيره - ضرا، ولا نفعًا، فهذا مما لا تقر به العقول السليمة، ولا تؤيده الفطر المستقيمة.
وعلى ضوء ما سبق، يبدو جليا تضافر أدلة الكتاب مع أدلة العقل على إثبات وحدانية الله عز وجل في ربوبيته، ويتبين أيضًا مدى ضلال المشركين في عبادتهم غير الله عز وجل من الشجر، والحجر، وغيرها من المعبودات التي لا تملك لهم ضرًا، ولا نفعًا، وقد جاءهم من الحجج، والبراهين ما لا يستطيعون دفعه، ولا يملكون رفعه.
الشاهد الأول: قوله تعالى: (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون) [3] ، أورد الإمام البغوي في تفسيره، ضرب الله مثلا [للكافرين والمؤمنين] فقال جل ذكره: (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا
(1) - يونس:34 - 35
(2) - العنكبوت:63
(3) - سورة النحل آية 75