إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ [الأنعام: 40 - 41] ... وأمثال هذا في القرآن- في دعاء المسألة- أكثر من أن يُحصر، وهو يتضمن دعاء العبادة؛ لأن السائل أخلص سؤاله لله وذلك من أفضل العبادات، وكذلك الذاكر لله والتالي لكتابه ونحوه طالب من الله. وفهم هذه العلاقة بين نوعي الدعاء يفيد في الرد على عباد القبور؛ إذ زعموا أن الأدلة الواردة في إخلاص الدعاء لله إنما هي في دعاء العبادة لا المسألة، فنقول لهم: إن دعاء المسألة متضمن لدعاة العبادة. وهذا كافٍ في الرد عليكم. كيف وقد أتت نصوص خاصة بدعاء المسألة كقوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ ... } فهذا الدعاء: المشهور أنه دعاء المسألة، وهو سبب النزول. قالوا: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعوا
ربه، فيقول مرة: «يا الله» ومرة «يا رحمن» فظن المشركون أنه يدعو إلهين، فأنزل الله هذه الآية ... ، وأما قوله: {وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ} [القصص: 64] ، فهذا دعاء المسألة، يكبتهم الله ويخزيهم يوم القيامة بآرائهم، أنَّ شركاءهم لا يستجيبون لهم دعوتهم، وليس المراد اعبدوهم. وهو نظير قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ} [الكهف: 52] .
إذا عُرِف هذا: فقوله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ... } يتناول نوعي الدعاء؛ لكنه ظاهر في دعاء المسألة، متضمن دعاء العبادة، ولهذا أمرٌ بإخفائه وإسراره [1] .
(1) انظر: الفتاوى (15/ 14 - 15) .