ومن أنواع الكفر الأصغر: كفر النعمة وهو جحودها وعدم شكرها والاعتراف بها فإن الشكر مبني على خمس قواعد كما قال ابن القيم: «خضوع الشاكر للمشكور، وحبُّه له، واعترافُه بنعمته، وثناؤه عليه بها، وأن لا يستعملها فيما يكره» [1] .
وقد يصل كفر النعمة إلى الكفر الأكبر إذا كان جحودها متعلق بأصل من أصول الدين كالكفر بنعمة إرسال الرسول - صلى الله عليه وسلم - وجحوده وعدم الاعتراف
والإيمان ببعثته قال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112] .
فهذا المثل أريد به أهل مكة فإنها كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا هنيئًا سهلًا {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ} ، أي «جحدت آلاء الله عليها وأعظمها بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - إليهم» [2] .
يقول الشيخ السعدي - رحمه الله: -
«وهذه القرية هي: مكة المشرفة التي كانت آمنة مطمئنة، لا يهاج فيها أحد، وتحترمها الجاهلية الجهلاء حتى إن أحدهم يجد فيها قاتل أبيه وأخيه يهيجه مع شدة الحمية فيهم، والنعرة العربية، فحصل لها في مكة من الأمن التام ما لم يحصل في سواها وكذلك الرزق الواسع كانت بلدة ليس فيها زرع ولا شجر لكن يسر الله لها الرزق يأتيها من كل مكان فجاءهم رسول منهم، يعرفون أمانته وصدقه يدعوهم إلى أكمل الأمور وينهاهم عن الأمور السيئة فكذبوه وكفروا
(1) مدارج السالكين (2/ 234) .
(2) تفسير ابن كثير (2/ 589) .