بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ) ? فمعناه بخير منها لنا لا في نفسها) [1] .
وما استدل به وذكره ابن عبدالبر وإن كان قاله أيضًا إمام المفسرين ابن جرير الطبري وغيره من المفسرين عند تفسيرهم لهذه الآية إلاَّ أنه في الحقيقة لايدل على المراد الذي أراده ابن عبدالبر من نفي وقوع التفاضل في كلام الله؛ بل إن ظاهر الآية يدل على أن الآية التي يأتي بها الله بدل الآية المنسوخة أو المنسية خيرٌ منها أو مثلها.
ولهذا (فقول القائل: إنه ليس بعض ذلك خيرًا من بعض بل بعضه أكثر ثوابًا، ردٌّ لخبر الله الصريح، فإن الله يقول: ? نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ) ? [البقرة: 106] فكيف يُقال: ليس بعضه خيرًا من بعض؟.
وإذا كان الجميع متماثلًا في نفسه امتنع أن يكون فيه شيء خيرًا من شيء.
وكون معنى الخير أكثر ثوابًا مع كونه متماثلًا في نفسه أمر لايدل عليه اللفظ حقيقة ولا مجازًا، فلايجوز حمله عليه، فإنه لايُعرف قط أن يقال: هذا خير من هذا وأفضل من هذا، مع تساوي الذاتين بصفاتهما من كل وجه، بل لابُدّ مع إطلاق هذه العبارة من التفاضل ولو ببعض الصفات، فأمَّا إذا قدر أن مختارًا جعل لأحدهما مع التماثل ما ليس للآخر مع استوائهما بصفاتهما من كل وجه، فهذا لايعقل وجوده، ولو عقل لم يقل إن هذا خير من هذا أو أفضل لأمر لايتصف به أحدهما البتة.
وأيضًا ففي الحديث الصحيح أنه قال في الفاتحة: ? لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها ? [2] فقد صرح الرسول بأن الله لم ينزل لها مثلًا، فمن قال إن كل ما نزل من كلام الله فهو مثلٌ لها من كل وجه فقد ناقض الرسول في خبره) [3] .
فالآية التي ذكرها ابن عبدالبر تدل على خلاف ما ذهب إليه، كما قال ابن حجر
(1) التمهيد 19/ 231.
(2) سيأتي ذكره كاملًا وتخريجه - إن شاء الله -.
(3) من كلال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في الرسالة السابقة ص 167.