في النهي [1] .
وتبويب البخاري للحديث يدل على أنه يرى حمل النهي على الكراهة حيث قال: (باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو) [2] .
قال الإمام الفقيه ابن مفلح [3] في الآداب الشرعية: (ويحرم السفر به إلى أرض للعدو للخبر المتفق عليه، وقيل: إن كثر العسكر وأمن استيلاء العدو عليه فلا لقوله في الخبر: ? مخافة أن تناله أيديهم ?) [4] ا هـ.
والذي يظهر - والله أعلم - أن العلة في النهي عن السفر بالمصحف إلى بلاد الكفار هي أن وقوع المصحف في أيدي الكفار كان مظنة فتنة في العصر الأول لقلة المصاحف، فيخشى أن يغيروا فيه ويحرفوا ليطعنوا فيه ويشككوا مَن شاؤوا فيما في أيدي المسلمين، ثُمَّ كثرت المصاحف وانتشرت وعمّت الآفاق وصارت موجودة في كل مكان حتى في بلاد الكفار، وأمنت تلك الفتنة وأتم الله وعده بحفظ كتابه [5] .
ولذلك فإن السفر بالمصحف الآن ليس كالسفر به في العصر الأول، فلابأس بذلك إذا كان في ذلك مصلحة راجحة إلاَّ إذا ترتب على ذلك امتهان له بأن يستولي عليه الكفار ويمتهنوه بأي صورة من صور الامتهان - أمَّا إذا لم يترتب على السفر به شيء من ذلك، وكان في السفر به مصلحة راجحة فلا حرج في السفر به - والعلم عند الله تعالى -.
(1) انظر: مجلة البحوث الإسلاميَّة، العدد 13 ص 22.
(2) صحيح البخاري كتاب الجهاد والسير، باب 129 ص 573 (ط: بيت الأفكار الدولية) .
(3) هو: محمد بن مفلح بن محمد، أبو عبد الله، شمس الدين المقدسي الراميني ثُمَّ الصالحي، أعلم أهل عصره بمذهب الإمام أحمد بن حنبل، من تصانيفه: كتاب الفروع في الفقه، والآداب الشرعية، توفي سنة 763 هـ. انظر: الأعلام للزركلي 7/ 107.
(4) الآداب الشرعية لابن مفلح 2/ 276.
(5) المرجع السابق، تعليق محققي الكتاب شعيب الأرناؤوط وعمر القيام 2/ 276.