القول اجتمعت العلماء من أهل الحجاز وتهامة والعراق والشام ومصر وغيرهم، منهم مالك وسفيان [1] والأوزاعي [2] والليث [3] وجميع أهل الآثار والرأي، وهو القول المعمول به عندنا أن الوصية جائزة للناس كلهم ما خلا الورثة خاصة، والأصل في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ? لا وصية لوارث ?) [4] ا هـ.
ومعلومٌ أن مراد الإمام أبي عبيد القاسم بن سلاّم بالنسخ هنا هو مراد السلف المتقدمين الذين يطلقونه على التخصيص وغيره من أنواع البيان.
ثانيًا: نسخ السنة بالقرآن:
أشار ابن عبدالبر - رحمه الله - إلى هذه المسألة إشارة سريعة بيّن فيها أنه لايسوغ الاعتراض على السنن بظاهر القرآن إذا كان لها مخرج ووجه صحيح؛ لأن السنة مبينة للقرآن، غير مدافعة له، كما قال تعالى: ? وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ا؟ لذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ? [النحل: 44] .
وذكر أن جماعة من العلماء منعوا نسخ السنة بالقرآن فيما يُمكن فيه النسخ؛ لأنه
(1) هو: سفيان بن سعيد بن مسروق، شيخ الإسلام، وسيد الحفاظ، أبو عبد الله الثوري الكوفي، الفقيه، أمير المؤمنين في الحديث، قال ابن المبارك: لا أعلم أحدًا على وجه الأرض أعلم من سفيان. مناقبه كثيرة جدًا، مات سنة 161 هـ. انظر: طبقات علماء الحديث 1/ 309 - 312، وسير أعلام النبلاء 7/ 229 - 279.
(2) هو: عبدالرحمن بن عمرو بن يحمد، الإمام، شيخ الإسلام، وعالم أهل الشام، أبو عمرو الأوزاعي، كان له مذهب مستقل مشهور عمل به فقهاء الشام مُدّة وفقهاء الأندلس ثُمَّ فني، والأوزاعي في الشام نظير معمر لليمنيين، والثوري للكوفيين، ومالك للمدنيين، والليث للمصريين، وحماد للبصريين، مات سنة 157 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء 7/ 107 - 134، طبقات علماء الحديث 1/ 277 - 280.
(3) هو: الليث بن سعد، الإمام الحافظ، شيخ الإسلام، وعالم الديار المصرية، أبو الحارث الفَهْمي مولاهم الأصبهاني الأصل، المصري، كان الشافعي يتأسف على فواته، وكان يقول: هو أفقه من مالك إلاَّ أن أصحابه لم يقوموا به. مناقبه وفضائله كثيرة، مات سنة 175 هـ. انظر: طبقات علماء الحديث 1/ 331 - 333، وسير أعلام النبلاء 8/ 136 - 163.
(4) الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد بن سلام ص 232 - 234.