وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ? لا وصية لوارث ?، وهذا بيان منه صلى الله عليه وسلم أن آية المواريث نسخت الوصية للوارثين، وأمَّا مَن أجاز نسخ القرآن بالسنة من العلماء فإنهم قالوا: هذا الحديث نسخ الوصية للورثة، وللكلام في نسخ القرآن بالسنة موضع غير هذا) [1] ا هـ.
وقال بعدها: (وهذا كله يدلك على أن الأمر بالوصية في الكتاب والسنة على الندب لا على الإيجاب، ولو كانت الوصية واجبة في الكتاب للوالدين والأقربين كانت منسوخة بآية المواريث، ثُمَّ ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الوصية لغير الوالدين، وحضّ عليها، وقال: ? لا وصية لوارث ? فاستقام الأمر وبان، والله المستعان. فالوصية مندوبٌ إليها، مرغوب فيها، غير واجب شيء منها) [2] ا هـ.
وقال - رحمه الله - أيضًا: (وهذا إجماع من علماء المسلمين أنه لا وصية لوارث، وأن المنسوخ من آية الوصية الوالدان على كل حال إذا كانا على دين ولدهما؛ لأنهما وارثان لايحجبان، وكذلك كل وارث من الأقربين، لقوله صلى الله عليه وسلم: ? لا وصية لوارث ?، ولو كان الوارث تجب له الوصية لانتقضت قسمة الله لهم فيما ورثهم، وصار لهم أكثر مِمَّا أعطاهم.
فمن هنا قال العلماء: إن آية المواريث نسخت الوصية للوالدين والأقربين الوارثين ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا قول كل مَن لايجيز نسخ القرآن بالسنة، وقد قال: لاينسخ القرآن إلاَّ بالقرآن، وهو قول الشافعي وأصحابه وأكثر المالكيين وداود [3] ، وسمّوا السنة
(1) التمهيد 14/ 292، 293.
(2) التمهيد 14/ 296.
(3) هو: داود بن علي بن خلف، الإمام، البحر، الحافظ، العلامة، أبو سليمان، البغدادي، رئيسُ وإمامُ أهل الظاهر، صنّف الكتب، وكان إمامًا ورعًا ناسكًا زاهدًا، بصيرًا بالفقه، عالمًا بالقرآن، حافظًا للأثر، له ذكاءٌ خارق، مات سنة 270 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء 13/ 97 - 108.